فضل يوم عاشوراء: كيف تكون التوسعة على الأهل سبباً في سعة الرزق طوال العام؟
تعتبر التوسعة على الأهل والعيال يوم عاشوراء من السنن الثابتة شرعاً التي توارثتها الأجيال عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهي من العادات الطيبة التي حث عليها أهل العلم واعتبروها من السنن المجربة والمباركة التي يرجو بها المسلم نيل فضل الله وسعة الرزق في سائر العام، حيث يحرص المؤمنون في هذا اليوم الفضيل على إدخال السرور على بيوتهم وعائلاتهم طلباً لما وعد الله به من بركة في العيش وتيسير في الأرزاق.
لقد تواترت الروايات التي تؤكد هذا المعنى، وأصح ما استند إليه العلماء في ذلك هو ما روي عن سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَن وَسَّعَ عَلَى نَفسِهِ وَأَهلِهِ يَومَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللهُ عَلَيهِ سَائِرَ سَنَتِهِ"، وقد أكد الصحابي الجليل جابر بن عبد الله تجربة هذا الأمر عملياً بقوله الشهير: "جَرَّبنَاهُ فَوَجَدنَاهُ كَذَلِكَ"، وهو ما أخرجه الإمام ابن عبد البر في مؤلفاته، مما يضفي على هذه السُنة طابعاً توثيقياً يستند إلى الممارسة النبوية والتطبيق العملي لجيل الصحابة.

حكمة التوسعة على الأهل: استجابة للفطرة وسعي وراء البركة
إن الإسلام دينٌ يحث على الرحمة والترابط الأسري، والتوسعة على الأهل يوم عاشوراء ليست مجرد طقس عابر، بل هي رسالة محبة وتقدير للأهل وتطييب لنفوسهم في يوم يتزامن مع ذكرى دينية عظيمة، حيث يسعى المسلم من خلالها إلى توسيع دائرة الخير في بيته، وهو أمرٌ يبارك الله فيه، فالرزق ليس مجرد مال، بل هو بركة في العمر والعمل والبيت والأسرة، وهذه السُنة تفتح أبواباً للرضا النفسي والاستقرار الأسري.
يرى جمهور العلماء أن التوسعة في هذا اليوم لا تعني الإسراف المذموم، بل هي سعة معتدلة تتناسب مع حال المسلم وقدرته، وهي تهدف في جوهرها إلى إظهار الفرح بفضل الله تعالى في هذا اليوم المبارك، حيث تُعد هذه الأعمال من القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، راجياً أن يوسع الله عليه في ماله وعمله طوال العام، استناداً إلى وعد النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة التي تتبع هذه التوسعة الصادقة.
منهج العلماء في إحياء سنة التوسعة على العيال
لقد جري العمل بهذه السُنة عند جمهور العلماء قديماً وحديثاً، حيث اعتبروها من السنن المستحبة التي ينبغي للمسلم أن يحرص عليها، فقد كانت ديدن الصالحين الذين يغتنمون مواسم الخيرات ليتقربوا إلى الله بكل ما يرضيه، ومن بينها إدخال الفرح والسرور على أهل البيت والفقراء والمساكين، وهذا المنهج يعكس شمولية الشريعة الإسلامية التي لا تغفل الجوانب النفسية والاجتماعية في العبادة.
وقد أشارت دار الإفتاء المصرية في توضيحاتها المستمرة إلى أن التوسعة على الأهل في يوم عاشوراء مروية عن صحابة رسول الله والتابعين لهم بإحسان، وهي من السنن التي لا يلحق العمل بها مفسدة، بل هي مصلحة دينية ودنيوية، فالإنسان عندما يوسع على أهله يجد من التيسير والبركة في حياته ما يشجعه على المداومة على هذه السنن والمأثورات التي تجعل من الحياة اليومية عبادة يثاب عليها المؤمن.
كيف يستقبل المسلم يوم عاشوراء بالتوسعة والعبادة؟
يُنصح المسلم أن يجمع بين صيام هذا اليوم المبارك، وبين التوسعة على أهله، حيث يكتمل الفضل بالجمع بين حق الله في العبادة وحق الأهل في الرعاية والاهتمام، فيبدأ يومه بالصيام والذكر والدعاء، ثم يختتمه بما يسره الله له من التوسعة على عياله، مما يجعل هذا اليوم محطة إيمانية واجتماعية مميزة في حياة المسلم، تفيض بالخيرات وتجلب الرحمات في كل شؤون حياته.
إن هذه السُنة المباركة تُعد أيضاً فرصة لتعزيز الروابط الأسرية، ففي ظل انشغالات الحياة اليومية، يصبح يوم عاشوراء فرصة للاجتماع على الخير، حيث يدرك الأبناء أهمية هذه المناسبات الدينية في حياة المسلم، وتترسخ لديهم قيم التراحم والتعاون، مما يسهم في بناء جيل مدرك لجماليات الإسلام التي تجمع بين الروحانية والعمل الصالح الذي يلامس واقع الناس اليومي ويدخل السرور إلى قلوبهم.
يوم عاشوراء: دعوة لنشر الخير والبركة في البيوت
في الختام، يظل يوم عاشوراء من الأيام التي تجتمع فيها الفضائل، ويحرص المسلم الفطن على استغلال كل لحظة فيه للتقرب إلى الله تعالى، سواء كان ذلك من خلال الصيام أو الدعاء أو التوسعة على الأهل، وهذه السُنة المجربة ليست حكراً على أحد، بل هي متاحة لكل من ابتغى البركة في رزقه وماله، متمسكاً بالهدي النبوي الشريف الذي يرسم للمسلم طريق السعادة والنجاح في الدنيا والآخرة.
فلنجعل من يوم عاشوراء مناسبة لتجديد النية وتوسيع الأرزاق بالصدق والعمل الصالح، ولنثق تمام الثقة في وعود الله ورسوله، فكل عملٍ يُبتغى به وجه الله ويُتبع فيه نهج النبي صلى الله عليه وسلم، لا بد أن يثمر خيراً وبركة، ونسأل الله العلي القدير أن يوسع علينا وعلى أهلينا أجمعين، وأن يجعل أيامنا كلها مليئة بالطاعات والمسرات، وأن يبارك لنا في أعمارنا وأرزاقنا ببركة هذا اليوم الكريم.