لبنان على صفيح ساخن.. جهود دولية لتثبيت وقف إطلاق النار وتشكيل خلية متابعة
تتقاطع الجهود الدولية الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان مع تطورات استراتيجية كبرى تشهدها الساحة السويسرية، حيث تجري مفاوضات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وإيران لضبط إيقاع الصراعات الإقليمية، وسط حالة من الهدوء الحذر في جنوب لبنان لا تخفي هشاشة المشهد الميداني الذي لا يزال مرتهناً للعديد من التجاذبات السياسية والتهديدات الأمنية المتبادلة.
وقد كشفت الرئاسة اللبنانية عن تحرك دولي واسع، حيث تلقى الرئيس جوزيف عون اتصالاً هاتفياً هاماً ضم نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، وكبير مستشاري البيت الأبيض جاريد كوشنير، ورئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، لبحث مسألة تثبيت وقف إطلاق النار ووقف التصعيد الإسرائيلي، مع مناقشة تشكيل خلية متابعة تضمن تنفيذ الالتزامات الدولية على الأرض.

مفاوضات سويسرا: خارطة طريق لإنهاء الصراع خلال 60 يوماً
في سياق موازٍ، أعلن الوسطاء انتهاء الجولة الأولى من المحادثات رفيعة المستوى بين واشنطن وطهران في منتجع بورغنشتوك السويسري، وقد أسفرت هذه المحادثات عن اتفاق مبدئي بين الدولتين على خارطة طريق طموحة للتوصل إلى اتفاق نهائي شامل في غضون 60 يوماً، وهو ما يمثل تحولاً جوهرياً قد ينعكس بالإيجاب على ملفات المنطقة الساخنة، وعلى رأسها الملف اللبناني والتهديدات في الممرات المائية.
وأصدرت وزارة الخارجية القطرية بياناً مشتركاً أكدت فيه أن المحادثات الفنية ستتواصل طوال الأسبوع الحالي لضمان تثبيت الآليات المتفق عليها، وأشار البيان إلى أن الأطراف قد توافقت على آلية لإنهاء القتال في لبنان، بالإضافة إلى فتح خط اتصال مباشر يضمن المرور الآمن للسفن التجارية عبر المضيق المتنازع عليه، مما يعكس رغبة دولية في تحييد الاقتصاد العالمي عن تداعيات الصراعات العسكرية الإقليمية.
الهدوء الحذر في الجنوب: بين الالتزام بالهدنة والتصريحات المتشددة
لليوم الثاني على التوالي، يخيم هدوء حذر على قرى وبلدات جنوب لبنان بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار الأخير بين إسرائيل وحزب الله يوم الجمعة الماضي، وهو هدوء يتسم بالترقب الشديد في ظل استمرار التواجد العسكري الإسرائيلي الذي يصر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على استمراره "طالما اقتضت الضرورة"، معتبراً أن إسرائيل تخوض حرباً ضد حزب الله باعتباره "وكيلاً إيرانياً" لا ضد الدولة اللبنانية بحد ذاتها.
وقد شدد نتنياهو في خطاباته الأخيرة على أن شروط السلام مع لبنان تظل مرهونة بتفكيك ما وصفه بتهديد "الوكيل الإيراني" ونزع سلاحه بالكامل، مما يضع جهود الوساطة الدولية أمام تحدٍ كبير، إذ لا تزال الفجوة واسعة بين الرؤية الإسرائيلية الأمنية للحدود الشمالية وبين الطموحات اللبنانية في استعادة السيادة الكاملة بعيداً عن ضغوط الأطراف الإقليمية وتأثيرات الحرب الممتدة على مدى أشهر طويلة.
آفاق الحل في ظل الصراعات الميدانية والتفاهمات الدولية
إن نجاح المسار الدبلوماسي الذي تشهده سويسرا في وقف النزيف اللبناني يعتمد بشكل أساسي على مدى جدية الأطراف في تحويل التفاهمات إلى واقع ملموس على الأرض، خاصة في ظل وجود تعقيدات ميدانية وتاريخية يصعب تجاوزها بسهولة، فالمجتمع الدولي اليوم يقف أمام اختبار حقيقي لقدرة الدبلوماسية على فرض السلام في مناطق تغلغلت فيها الصراعات بالوكالة وأصبحت فيها الخطوط الفاصلة بين السياسة والعسكرة شديدة التداخل.
يتطلع اللبنانيون إلى أن تؤدي الخلية التي تمت مناقشتها بين بيروت وواشنطن والدوحة إلى توفير ضمانات أمنية حقيقية تحميهم من العودة إلى مربع الحرب، وفي الوقت ذاته، يراقب المراقبون بحذر مدى التزام إيران والولايات المتحدة بالجدول الزمني لاتفاق الستين يوماً، حيث إن أي تعثر في هذا المسار قد يؤدي إلى انهيار الهدنة في لبنان وتوسع نطاق الصراع بشكل يصعب معه التحكم في النتائج الكارثية على استقرار البلاد والمنطقة ككل.