حلقتنا اليوم تحمل سؤالاً صادماً…وربما مستفزاً للبعض:هل نشأت إسرائيل بنفس الطريقة التي نشأت بها الولايات المتحدة الأمريكية ؟هل يمكن أن يكون هناك تشابه في أسلوب التأسيس؟ في فكرة "اكتشاف أرض جديدة"؟ وفي الاستيلاء على أراضي السكان الأصليين؟
وفي إقامة دولة فوق أرض لم تكن خالية…بل كانت عامرة بشعوبها وحضاراتها؟
أسئلة كثيرة…لكن الإجابة لا تأتي من السياسة وحدها…بل من التاريخ…ومن الوثائق…ومن الوقائع التي لا يمكن إنكارها.
عندما وصل الأوروبيون إلى الساحل الشرقي لأمريكا الشمالية…لم يقولوا إنهم وصلوا إلى أرض مأهولة…بل أعلنوا أنهم اكتشفوا "عالماً جديداً".
وهنا السؤال هل يُكتشف المكان إذا كان فيه بشر؟هل تُسمّى الأرض جديدة إذا كانت قديمة بسكانها وتاريخها؟
الحقيقة أن الأوروبيين لم يكونوا أول من سكن تلك الأرض…بل كانت أمريكا الشمالية عامرة بشعوبها…وبحضاراتها الممتدة جذورها في التاريخ.
ومن أجل فهم الصورة كاملة… يجب أن نعرف من هم السكان الذين عاشوا هناك قبل مرحلة الكشوف الجغرافية.
قبل وصول الأوروبيين… كانت هناك شعوب وحضارات راسخة، يمكن تقسيمها إلى نوعين رئيسيين:
أولاً… شعوب ذات حضارات راقية، مثل:حضارة الأزتك…التي امتدت جذورها إلى العصور الوسطى في المكسيك…وهي الحضارة التي أسست مدينة المكسيك الحالية عام 1325 ميلادية.
وحضارة الإنكا…التي عاشت في مناطق واسعة تشمل بنما وبيرو وشيلي وبوليفيا الحالية.
حضارات كاملة… دول… نظم… مدن… ثقافة… لغة… وتاريخ.
فكيف يمكن أن تُمحى حضارات كاملة ثم يُقال إن الأرض كانت بلا تاريخ؟
ثانياً… كانت هناك قبائل السكان الأصليين الذين عُرفوا لاحقاً باسم الهنود الحمر... هؤلاء لم يكونوا قبيلة واحدة…بل كانوا شعوباً ممتدة في أمريكا الشمالية والجنوبية…بل وحتى الجزر المحيطة التي عرفت لاحقاً باسم جزر الهند الغربية.
وقد سميت تلك الجزر بهذا الاسم لأن الأوروبيين كانوا يعتقدون خطأً أنهم وصلوا إلى الهند…ولأن لون بشرة السكان كان نحاسياً مائلاً إلى الحمرة…أطلقوا عليهم تسمية "الهنود الحمر".
إذاً هل خطأ جغرافي يمنح الحق في احتلال أرض شعب كامل؟
ما حدث بعد ذلك… لم يكن مجرد هجرة أو استيطان…بل كان صراعاً دموياً… انتهى إلى إقامة الولايات المتحدة الأمريكية فوق أرض السكان الأصليين.
لقد قامت الدولة الأمريكية الحديثة…على حساب القبائل التي كانت تعيش هناك.
حروب… مذابح… طرد جماعي… وإبادة تدريجية.
وهنا السؤال:هل يمكن بناء حضارة حديثة فوق أنقاض شعب كامل ثم تسميتها "حلم الحرية"؟
لقد خاض الأوروبيون حروباً طويلة للقضاء على السكان الأصليين…حتى تم إضعافهم… وتشتيتهم… وتحويلهم إلى أقلية منسية داخل أرضهم.
والأخطر من ذلك… أن الحكومة الأمريكية وقّعت مئات الاتفاقيات مع الهنود الحمر.
وتشير الوثائق إلى أن الولايات المتحدة عقدت قرابة 400 اتفاقية سلام مع السكان الأصليين خلال القرنين الماضيين…تعهدت فيها باحترام حقوقهم وأراضيهم.
لكن ما الذي حدث؟
تم نقض هذه الاتفاقيات… واحدة تلو الأخرى. هذه هي السياسة التي تتبعها أمريكا حتى الان فهى تدعو الى توقيع اتفاقية معينة وسرعان ما تعلن انسحابها منها حيث شهدت فترة إدارة الرئيس دونالد ترامب (2017-2021) انسحاب الولايات المتحدة انسحابًا شاملًا من 66 منظمة دولية وهيئة أممية، لتعارضها -وفقاً للإدارة الأمريكية- مع المصالح الوطنية من ابرزها (الاتفاق النووي الإيراني(2018) ، اتفاقية باريس للمناخ(2017) ، اليونسكو(2017) ، مجلس حقوق الإنسان(2018) ، اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ(2017) ، معاهدة الصواريخ النووية مع روسيا(2019) ، منظمة الصحة العالمية، صندوق الأمم المتحدة للسكان، الاتفاقية العالمية للهجرة)
ونتسائل إذا كانت الدولة تقوم على نقض العهود… فكيف يمكن الوثوق بشرعيتها الأخلاقية؟
ومن أكثر الشهادات قوة في هذا السياق… ما قاله زعيم قبائل "السو" وبطل المقاومة الهندية…الملقب بـالثور الجالس.
هذا الرجل لم يكن شخصية هامشية…بل كان رمزاً للمقاومة الهندية…وقد قُتل على يد الأمريكيين عام 1890.
ويُذكر عنه أنه كان الزعيم الوحيد الذي رفض توقيع أي معاهدة مع الحكومة الأمريكية.
ويقول الثور الجالس في شهادته الشهيرة:"لا فائدة من التحدث مع هؤلاء البيض، كلهم كاذبون، لا تستطيع أن تصدّق أيّ شيء يقولونه، ومهما عرضوا علينا فإننا نرفضه، لأننا لا نثق بوعودهم،ويتساءل ما هي الاتفاقية التي احترمها الرجل الأبيض بينما نقضها الرجل الأحمر؟ لا واحدة... ما هي الاتفاقية التي عقدها معنا الرجل الأبيض وأبقى عليها؟ لا واحدة."
وهنا يجب أن نتوقف قليلاً…هذا ليس كلام مؤرخين…ولا تحليلات سياسية معاصرة…بل شهادة من قلب الحدث… من رجل عاش الحقيقة.
ونتسائل هنا هل كان السكان الأصليون ضحايا فقط… أم كانوا شهوداً على أكبر عملية استيطان بالقوة في التاريخ الحديث؟
بعد أن فهمنا كيف نشأت الولايات المتحدة…ننتقل إلى السؤال الأكثر حساسية
هل تكررت نفس الفكرة في فلسطين؟
الغرب في بدايات القرن العشرين…قدّم رواية تقول إن اليهود "شعب بلا أرض"…وفي المقابل… تم تصوير فلسطين على أنها "أرض بلا شعب".
وهنا السؤال كيف تكون فلسطين أرضاً بلا شعب… وهي التي كانت عامرة بأهلها ومدنها وقراها؟
هذه الفكرة لم تكن مجرد دعاية…بل كانت تمهيداً سياسياً لمشروع أكبر.
وفي عام 1917… صدر ما عُرف بـ وعد بلفور…الذي منح اليهود وعداً بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين…بدعم من القوى الغربية.
وبعد ذلك… بدأت موجات الهجرة اليهودية إلى فلسطين…وتدريجياً بدأت مرحلة الصدام مع الشعب الفلسطيني.
وهنا تظهر الصورة التي يعرفها العالم اليوم:
اضطهاد… تهجير… قتل… مصادرة أراضٍ… والاستيلاء على الممتلكات…تمهيداً لإقامة دولة إسرائيل
وهنا نصل إلى جوهر الحلقة…عندما نقارن بين ما حدث في أمريكا… وما حدث في فلسطين… نجد تشابهاً صادماً في المنهج:
في أمريكا:
تم تصوير الأرض على أنها "عالم جديد"… ثم تمت السيطرة عليها… وإبادة سكانها الأصليين.
في فلسطين:
تم تصوير الأرض على أنها "بلا شعب"… ثم بدأت الهجرة المنظمة… ثم التهجير والاستيطان.
والسؤال هنا هل كان المشروعان مشروعين استيطانيين… أم مجرد هجرة بشرية طبيعية؟
الفارق الوحيد أن الزمن تغيّر…ففي أمريكا… كانت الجرائم تُرتكب بعيداً عن أعين العالم…لا كاميرات… لا إعلام… لا شبكات تواصل… ولا ضغط دولي حقيقي.
أما في فلسطين… فقد أصبح العالم يشاهد كل شيء لحظة بلحظة.
فماذا لو كانت كاميرات العالم موجودة في القرن السابع عشر… هل كانت أمريكا ستقوم بالطريقة نفسها؟
وماذا لو لم تكن التكنولوجيا موجودة في العصر الحالي ... هل كانت أسرائيل فعلت في الفلسطينيين ما فعلته أمريكا بالهنود الحمر.
في العصر الحديث… لم تعد الجرائم تُخفى بسهولة... الصور… الفيديوهات… التقارير الحقوقية… الإعلام البديل…كلها جعلت ما يحدث فى الشعب الفلسطيني مكشوفاً أمام العالم.
وأصبح ما يحدث في قطاع غزة… وما يحدث في جنوب لبنان…شواهد حية على حجم الصراع… وعلى طبيعة القوة المستخدمة.
ونتسائل الان إذا كان العالم يرى… فلماذا يصمت؟
وإذا كانت الحقيقة واضحة… فلماذا يُعاد إنتاج الرواية القديمة؟
في النهاية…
نحن لا نعيد كتابة التاريخ من أجل البكاء على الماضي…ولا من أجل استدعاء الألم فقط…
بل من أجل فهم الحقيقة.
التاريخ يخبرنا أن مشاريع الاستيطان الكبرى… غالباً ما تبدأ بقصة جميلة:
"اكتشاف"… "تحرير"… "أرض جديدة"… "وطن قومي"… "حق تاريخي"…
لكن خلف هذه الكلمات… تختبئ حقائق أخرى:دماء… تهجير… مصادرة… وتغيير هوية الأرض.
وإذا كانت الولايات المتحدة قد قامت فوق مأساة الهنود الحمر…فإن إسرائيل قامت فوق مأساة الشعب الفلسطيني.
والسؤال الذي أتركه لكم قبل أن نختم الحلقة:
هل يمكن للتاريخ أن يعيد نفسه… لأن العالم لم يتعلم منه؟أم أن الشعوب هذه المرة… ستكتب نهايتها بطريقة مختلفة؟
وفي الحلقة القادمة… أصحاب رؤوس الأموال.. افتعال الأزمات وتأسيس الاحتياطي الفيدرالي للتحكم في أمريكا
- نشأة الولايات المتحدة الأمريكية
- نشأة إسرائيل
- التاريخ يعيد نفسه
- الاستيطان في فلسطين
- السكان الأصليون في أمريكا
- القضية الفلسطينية
- الاحتلال والاستيطان
- الهنود الحمر
- حضارة الأزتك
- حضارة الإنكا
- الاستعمار الأوروبي
- الكشوف الجغرافية
- إبادة السكان الأصليين
- التاريخ الاستعماري
- وعد بلفور
- الصراع الفلسطينى الإسرائيلي
- الاستيطان الإسرائيلي
- تهجير الفلسطينيين
- حقوق الشعوب
- الشرعية الدولية
- السياسات الأمريكية
