ads
الجمعة 05 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

إن علاقة ايران بالكيان الصهيوني تحد واحدة من أكثر العلاقات إثارةً للجدل في الشرق الأوسط…علاقة تبدو في ظاهرها عداءً مطلقاً… لكنها في باطنها تحمل الكثير من المفاجآت.

فهل هي علاقة عداء دائم؟أم أنها علاقة مصالح متغيرة؟هل كانت إيران يوماً حليفاً لإسرائيل؟

وهل يمكن أن تكون في بعض الظروف… شريكاً غير معلن؟

إذا أردنا أن نفهم العلاقة بين إيران وإسرائيل… فعلينا أولاً أن نعود إلى الوراء… بعيداً جداً…ليس إلى خمسين عاماً… ولا حتى إلى مائة عام… بل إلى ما يقرب من 2750 عاماً.

نعم… فبعض الدراسات والروايات التاريخية والدينية تشير إلى أن جذور العلاقة بين الفرس واليهود تعود إلى العصور القديمة…حين كانت الإمبراطورية الفارسية إحدى القوى الكبرى في العالم.

وفي النصوص الدينية اليهودية… وتحديداً في أسفار مثل:عزرا… نحميا… أستير… دانيال… وأخبار الأيام

نجد ذكراً واضحاً لشخصية محورية… هي شخصية الملك الفارسي كورش الكبير.

والسؤال هنا هل يمكن أن يكون التاريخ القديم قد زرع بذور علاقة سياسية في المستقبل؟

الملك كورش… وفق الرواية اليهودية… لعب دوراً كبيراً في تحرير اليهود من السبي البابلي…وهو ما جعل إيران… أو فارس… تحتل مكانة خاصة في الذاكرة الدينية والسياسية اليهودية.

ليس هذا فقط…بل إن إيران الحديثة تضم مواقع دينية يهودية كثيرة… مثل ضريح أستير ومردخاي…وموضع وفاة النبي دانيال…وقبر النبي حبقوق… وغيرها.

فهل كانت إيران بالنسبة لليهود مجرد أرض تاريخية؟ أم أرض ذات رمزية دينية وسياسية؟

من هذه النقطة… نفهم أن العلاقة ليست وليدة القرن العشرين…بل لها جذور تمتد عميقاً في التاريخ.

لكن التاريخ وحده لا يصنع السياسة…والسياسة في الشرق الأوسط لا تعرف الثبات.

في العصر الحديث… وبالتحديد قبل الثورة الإسلامية عام 1979…كانت العلاقة بين إيران وإسرائيل مختلفة تماماً عن الصورة التي نعرفها اليوم.

ففي عهد الشاه… كانت إيران دولة حليفة للغرب…وكانت إسرائيل تنظر إلى إيران باعتبارها شريكاً إقليمياً مهماً في مواجهة المد القومي العربي آنذاك.

لكن… جاءت الثورة الإسلامية… وسقط نظام الشاه…وتحولت إيران إلى نظام جديد يحمل شعاراً صريحاً:

رفض إسرائيل… ورفض النفوذ الأمريكي في المنطقة.

ومنذ تلك اللحظة… تحول العداء إلى عنوان رسمي.

لكن هل هذا العداء المعلن يعني دائماً انقطاع المصالح؟

التاريخ السياسي يقول: لا. .. فالعلاقات الدولية لا تقوم فقط على الخطابات والشعارات…بل على المصالح… وعلى موازين القوى… وعلى حسابات الأمن القومي.

وهنا بدأت تظهر معادلة غريبة…عداء إعلامي وسياسي في العلن…وفي المقابل… تواصل أو تعاون محدود في الخفاء… في مراحل معينة.

ولهذا يصف بعض الباحثين هذه العلاقة بأنها علاقة ذات وجهين…وجه صاخب أمام الإعلام…ووجه آخر هادئ خلف الكواليس.

في إطار الصراع الإقليمي على النفوذ… يرى بعض المحللين أن المصالح المشتركة كانت أحياناً أقوى من العداء.

وتشير بعض الدراسات إلى أن إسرائيل تعاملت مع إيران في بعض المراحل باعتبارها ورقة يمكن الاستفادة منها…خاصة في ظل خوف إسرائيل من صعود الدول العربية الكبرى…وعلى رأسها مصر.

ولكن لماذا مصر تحديداً؟

لأن مصر كانت دائماً دولة مركزية…تمتلك الموقع… والجيش… والعدد السكاني… والثقل السياسي.

ومن هنا… كانت إسرائيل تعتبر أن أي دولة عربية قوية تشكل تهديداً استراتيجياً مباشراً.

أما إيران… فكانت ترى أن توسيع نفوذها في المنطقة يحتاج إلى استغلال الفراغ…أو الأزمات… أو الانقسامات السياسية والطائفية.

إذاً هل كانت المنطقة تُستنزف بسبب صراعها الداخلي… أم بسبب توظيف هذا الصراع من أطراف خارجية؟

بعض التحليلات تذهب إلى أن الطرفين استفادا من حالة التفكك والانقسام…وأن إضعاف الدول المحورية كان يخدم مشاريع النفوذ الإقليمي.

من بين أكثر النقاط إثارة في هذا الملف…ما أشارت إليه تقارير صحفية عديدة عن لقاءات سرية بين مسؤولين إيرانيين وإسرائيليين في عواصم أوروبية.

بل إن بعض الروايات تحدثت عن أن مؤتمرات أكاديمية تحولت إلى منصات غير رسمية للتواصل.

ومن أشهر ما تردد في هذا السياق…مؤتمر أثينا عام 2003.

ومن هنا نتسائل إذا كان الطرفان عدوين… فلماذا يجتمعان في السر؟

هذه اللقاءات… سواء ثبتت كلها أو ثبت بعضها… تشير إلى أن السياسة لا تسير دائماً على الخط الذي يرسمه الإعلام.

بل إن المصالح قد تفرض نفسها أحياناً…حتى بين الخصوم.

التقارير أيضاً تحدثت عن وجود تواصل اقتصادي وتقني محدود…عبر وسطاء وشركات دولية.

وتناولت بعض الصحف الغربية والعربية معلومات حول زيارات لخبراء ومهندسين من أصول يهودية إيرانية إلى طهران…للمساهمة في إعادة تأهيل بعض القطاعات أو البنية التحتية.

وقد يبدو هذا الأمر صادماً للبعض.

ولكن كيف يمكن لعدوين يهددان بعضهما بالحرب… أن يتبادلا الخبرات ولو بشكل غير مباشر؟

الإجابة تكمن في مفهوم السياسة الواقعية…حيث تتحرك الدول وفق المصالح… لا وفق العواطف.

نأتي الآن إلى أخطر جزء في القصة…وهو التعاون العسكري بين إيران وإسرائيل خلال الحرب العراقية الإيرانية.

هذه الحرب التي استمرت من عام 1980 حتى 1988…كانت واحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخ المنطقة.

وخلال تلك الفترة… كشفت تقارير تاريخية عديدة عن صفقات تسليح وقطع غيار ومعدات عسكرية وصلت إلى إيران عبر قنوات مختلفة.

الصحفي الإسرائيلي رونين بيرغمان، في دراساته عن الموساد… أشار إلى أن إسرائيل باعت أسلحة لإيران في مطلع الثمانينيات…بقيمة وصلت إلى عشرات الملايين من الدولارات.

بل إن بعض المصادر ذكرت أن جزءاً من هذه الصفقات تم تمويله بالنفط الإيراني.

فهل كانت إسرائيل ترى أن إيران أقل خطراً من العراق في ذلك الوقت؟

ربما…وربما كانت ترى أن إضعاف العراق يخدم أمنها الاستراتيجي.

وهنا نصل إلى واحدة من أشهر القضايا الدولية: الا وهى فضيحة إيران – كونترا.

هذه الفضيحة كشفت عن شبكة دولية لتزويد إيران بالسلاح عبر وسطاء…بمشاركة أطراف دولية متعددة…

وكان لإسرائيل دور في بعض مراحلها… وفق ما ظهر في تقارير أمريكية ووثائق رسمية.

هذه الفضيحة وحدها تكشف حقيقة صادمة:أن السياسة قد تخلق تحالفات مؤقتة…حتى بين أطراف تتبادل الاتهامات علناً.

فهل كانت الشعارات مجرد غطاء؟ أم كانت المصالح أقوى من الشعارات؟

ومن الملفات المثيرة أيضاً… ما تذهب إليه بعض التحليلات من أن الضربة الإسرائيلية ضد المفاعل النووي العراقي أوزيراك عام 1981…

ربما تمت بناء على خرائط أو معلومات حصلت عليها إسرائيل من إيران.

الهدف كان واضحاً:منع العراق من امتلاك قدرات نووية قد تغير توازن القوى في المنطقة.

والسؤال هنا هل يمكن أن تساهم إيران في عملية عسكرية إسرائيلية ضد دولة عربية؟

قد يبدو الأمر غير منطقي للبعض…لكن السياسة في الشرق الأوسط لا تقوم دائماً على المنطق الأخلاقي… بل على حسابات المصالح.

وبعض الوثائق المتداولة تحدثت عن خريطة تحرك طائرة أرجنتينية من إسرائيل إلى إيران… نشرتها صحيفة صنداي تايمز عام 1981…

كما أشير إلى وجود مراسلات إيرانية مرتبطة بالحرب… ورسائل متبادلة مع عقيد إسرائيلي يُدعى يعقوب نمرودي ووزارة الخارجية الايرانية.

وهنا يجب أن نقول بوضوح: أن هذه الملفات تحتاج دائماً إلى قراءة وثائقية دقيقة… لأن التاريخ السياسي مليء بالروايات المتشابكة.

إذاً ما الذي نستخلصه من كل ذلك؟

يمكننا القول إن العلاقة بين إيران وإسرائيل علاقة شديدة التعقيد…تجمع بين التناقضات.

عداء سياسي وإعلامي معلن…وفي المقابل… مصالح مشتركة وتعاون ظرفي في بعض الفترات.

وهذا يؤكد حقيقة سياسية ثابتة: وهى أن الصراعات الإقليمية غالباً ما تُدار وفق منطق المصالح المتغيرة…

لا وفق الخطاب المعلن فقط.

وهنا نتسائل إذا تطورت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران…سواء بشكل مباشر أو عبر أدوات غير مباشرة…فما هي انعكاساتها على الشرق الأوسط؟

أولاً: زيادة الاستقطاب الإقليمي…وتحول المنطقة إلى محورين متصارعين بصورة أكثر حدة.

ثانياً: تهديد أمن الطاقة العالمي…خصوصاً إذا تعرض الخليج أو مضيق هرمز لأي اضطراب.

ثالثاً: ارتفاع احتمالات الحروب بالوكالة…في العراق… سوريا… لبنان… اليمن… وربما مناطق أخرى.

رابعاً: إعادة ترتيب التحالفات الدولية…خاصة مع دخول روسيا والصين كقوى داعمة أو موازنة للموقف الأمريكي.

خامساً: زيادة هشاشة الدول العربية…نتيجة الضغوط الأمنية والاقتصادية والانقسامات الداخلية.

إذاً هل ستكون الحرب على إيران حرباً على إيران فقط؟ أم أنها حرب على استقرار الشرق الأوسط بأكمله؟

التجارب السابقة تقول إنها لن تبقى داخل حدود دولة واحدة…بل ستتمدد… وتترك آثارها على الجميع.

إذاً الصراع بين إيران وإسرائيل ليس مجرد صراع شعارات…وليس مجرد تهديدات متبادلة.

بل هو صراع تحكمه المصالح…وتحركه الحسابات الاستراتيجية…وتدعمه أحياناً اتصالات غير معلنة… وصفقات تمت بعيداً عن أعين الشعوب.

ومن هنا… فإن فهم هذه العلاقة يتطلب أن نتجاوز العناوين الساخنة…وأن نقرأ التاريخ… ونبحث في الوثائق… ونحلل الوقائع لا الخطابات.

لأن الحقيقة في الشرق الأوسط… لا تكون دائماً في العلن…بل غالباً ما تكون في الخفاء.

وإذا كانت السياسة تُدار بالمصالح… فهل يمكن أن يتغير شكل العداء بين إيران وإسرائيل يوماً ما… إلى تفاهم أو صفقة جديدة؟ربما… وربما أكثر مما نتخيل.

وفي الحلقة القادمة…:نشأة الولايات المتحدة.. ونشأة إسرائيل: هل التاريخ يعيد نفسه؟

تم نسخ الرابط