"فجوة المساءلة" في حوادث السيارات ذاتية القيادة.. والنموذج الإماراتي يتصدر المشهد
في عالم يتسارع فيه نبض التكنولوجيا، لم تعد السيارات التي تسير بلا سائق مجرد لقطات من أفلام خيالية، بل أصبحت واقعاً يطرق أبواب شوارعنا، ويطرح معه سؤالاً قانونياً وأخلاقياً زلزل أركان التشريعات التقليدية.
فإذا انطلقت مركبة "ذاتية القيادة" بسرعة فائقة، واتخذت خوارزمياتها قراراً خاطئاً أدى إلى حادث مميت.. .......
فمن يقف خلف قضبان الاتهام؟
ومن يسدد فاتورة الدية والتعويض؟
هل هو المالك الذي كان يغط في نوم عميق في المقعد الخلفي؟
أم الشركة التي صممت "العقل الإلكتروني" للمركبة؟
إننا اليوم أمام ما يعرف بـ "فجوة المساءلة"، حيث تتهاوى مفاهيم الخطأ الشخصي التقليدية أمام جبروت الذكاء الاصطناعي. ومن هنا، أرى أننا بحاجة إلى "ثورة تشريعية" توازي الثورة التكنولوجية، لضمان ألا تضيع حقوق الضحايا بين ركام الأكواد البرمجية.
فالمسؤولية القانونية تستند تاريخياً إلى "نظرية الخطأ" التي تتطلب وجود إنسان أدرك وقدر ثم أخطأ. لكن في حالة السيارات ذاتية القيادة، نحن أمام نظام يعالج مليارات البيانات في أجزاء من الثانية، وقد يتخذ قراراً "قاتلاً" دون إهمال بشري مباشر. هنا تبرز المعضلة: كيف نحاكم "خوارزمية"؟
الحل الذي بدأت تتبناه التشريعات الحديثة هو الانتقال من "مسؤولية السائق" إلى "مسؤولية المشغل والمنتج"، وهو تحول جذري يعيد صياغة مفهوم العدالة في العصر الرقمي.
لقد تصدرت دولة الإمارات العربية المتحدة المشهد الإقليمي والدولي بإصدار "قانون دبي رقم 9 لسنة 2023"، والذي يعد نموذجاً يحتذى به. هذا القانون حسم الجدل بنقل عبء المسؤولية من "المالك" إلى "المشغل". وفيما يتعلق بأحكام "الدية" المستمدة من الشريعة الإسلامية، فإن التفسير الراجح يميل إلى تطبيق نظرية "التحكم في مصدر الخطر"، حيث تقع الدية على عاتق الجهة المشغلة، لضمان حماية الأرواح وسرعة التعويض.
قضية "أوبر" وأريزونا.. شكلت جرس إنذار :
ولا يمكننا الحديث عن هذا الملف دون التوقف عند حادثة "أوبر" الشهيرة في أريزونا عام 2018، حين صدمت سيارة ذاتية القيادة سيدة كانت تعبر الطريق. حيث كشفت التحقيقات أن نظام الرؤية الحاسوبية فشل في تصنيف الضحية بشكل صحيح، والأدهى من ذلك أن الشركة كانت قد عطلت نظام "الفرملة الطارئة". هذه القضية كانت بمثابة "جرس إنذار" عالمي، أثبت أن القوانين الجنائية التقليدية تقف عاجزة عن إثبات "القصد الجنائي" ضد الكيانات الاعتبارية والشركات البرمجية، مما استدعى تدخلات تشريعية عاجلة في بريطانيا وأوروبا.
من ناحية أخرى فإن الانتقال إلى عصر القيادة الآلية لم يعد خياراً، بل ضرورة تفرضها لغة العصر. ولذلك، نضع أمام المشرع العربي عدة توصيات جوهرية:
1.قوانين اتحادية موحدة: تنظم عمل هذه المركبات وتحدد بوضوح مسؤولية "الكيان المصرح له".
2.المسؤولية الموضوعية: جعل التعويض والدية التزاماً مباشراً على المشغل بغض النظر عن إثبات الخطأ.
3.الشفافية الرقمية: إلزام الشركات بتوفير "صندوق أسود" يتيح للقضاء فهم ما دار في عقل السيارة قبل الحادث.
4.تأهيل القضاة: بناء كوادر قضائية قادرة على قراءة الأدلة الرقمية وفك شفرات الخوارزميات.
إن العدالة لا يجب أن تقف متفرجة أمام التقدم، بل يجب أن تقوده، لضمان أن تظل التكنولوجيا خادماً للإنسان، لا تهديداً لحياته وحقوقه.
