من الإحسان إلى الخيانة.. كيف انتهت حياة محامٍ الغنايم داخل منزله؟
لم يكن يدرك محامي الغنايم أن بابًا يفتحه للمحتاجين سيصبح مدخلًا لنهاية مأساوية لحياته.
عاش سنوات يجمع رزقه من مهنة المحاماة، يفتح أبواب منزله ومكتبه لكل صاحب ضيق أو متعثر، يساعد من يقصده أملاً في تفريج كربته، لكن ما اعتبره البعض يدًا تمتد بالعون، رآه آخرون طريقًا إلى المال.
وبينما كانت أسرته بعيدة عن المنزل لساعات قليلة، بسبب سفرها إلى القاهرة، تحولت الثقة إلى خيانة، والإحسان إلى طمع، لتنتهي القصة بجريمة هزت محافظة أسيوط، بعدما كشفت الحيثيات تفاصيل ليلة وصفتها المحكمة بأنها امتزجت فيها الخسة بالغدر والطمع.
من مراقبة الضحية داخل منزله إلى تنفيذ الجريمة.. تفاصيل صادمة في حيثيات الحكم
لذلك.. قضت محكمة جنايات أسيوط بمعاقبة المتهمين الاول والثانى والرابعه بالإعدام وبمعاقبة الثالث بالسجن المشدد خمسة عشر عاما وإلزامهم بالمصاريف الجنائيه ومصادرة ادوات الجريمه وبإحالة الدعوى المدنيه للمحكمة المدنية المختصه
صدر الحكم برئاسة المستشار حسين علي نسيره وعضوية المستشارين محمد حسن شلقامي و شريف زكريا ويصا بحضور إسماعيل أبو كريشة وكيل النيابة بأمانة سر فنجري عبد الرحيم.
تتحصل واقعة الدعوى ـ حسبما استقرت في يقين المحكمة، واطمأن إليها وجدانها، وارتاح لها ضميرها، مستخلصة من مطالعة سائر أوراقها وما تم فيها من تحقيقات وما دار بشأنها بجلسة المحاكمة ـ في أن المجني عليه جلال صديق، رجل في الخمسينيات من عمره، جمع المال من عمله في مهنة المحاماة، زوجًا لمن تدعى حنان الزهري، رزقهما الله أربعة أبناء، يعيشون جميعًا بقرية المشايعة بحري ـ دائرة المركز ـ داخل مسكنهم في أمن وسكينة. وكان له مكتب للمحاماة ملحق بمسكنه، تعمل لديه سكرتيرة تدعى لمياء محمد منذ أكثر من عشر سنوات، وكان يقرض المال لكل من يلجأ إليه من المتعسرين بمنزله.
وشاء القدر أن تكون المتهمة الرابعة سعاد حربي ـ تقطن في مواجهة مسكنه ـ تراقبه وتعلم تفاصيل تحركاته كافة، كما تعلم أنه يقرض المتعسرين متى لجأوا إليه. وقد جمعتها علاقة بالمتهم الأول سامح محمد، تجسدت فيها معاني الخيانة والخسة، ووثقها عقد زواج عرفي فيما بينهما، إذ كان يقطن معها ويتردد عليها من وقت لآخر في خفية، متنقلًا من قريته العقال بحري ـ دائرة مركز البداري ـ إلى محل إقامتها بمركز الغنايم، غير مكترثين بنظرات المحيطين بهما ولا بعيون أهل قريتها وهم يرقبونهما، فلم يشغل بالهما سوى الغدر والخسة والخيانة.
وبدأ الشيطان ينسج خيوطه، إذ حضر المتهم الأول إلى مسكن المتهمة الرابعة يحادثها ويسألها عن المجني عليه، فأبلغته بطبيعة عمله كمحامٍ، وأنه يمنح القروض للمتعسرين مقابل فائدة يحصل عليها. وبعد مرور بضعة أشهر طلب المتهم الأول من المتهمة الرابعة أن يلجآ معًا إلى المجني عليه ويقترضا منه مبلغًا من المال، فوافقت، وذهبا مطأطئي الرأس يملؤهما العوز والحاجة إلى المجني عليه المسكين، ليحصلا على قرض يفرج كربهما، والذي لم يتوان عن إعطائهما إياه، مفرجًا عما ألمّ بهما من فاقة.
إلا أن أبصارهما زاغت عما شاهداه في خزينة المجني عليه من أموال، وما رأياه من حضور بعض المقترضين وسدادهم الأقساط إليه، فقابلا الإحسان بالإساءة. فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ ولكن المتهمين قابلاه بالإساءة، فنشأت الفكرة لديهما، واختارا الحرام سبيلًا، والشيطان رفيقًا، فوسوس لهما أن خلاصهما من ذلك الضيق لن يكون بقرض، وإنما بسرقة ما ليس لهما حق فيه.
وسوس إليهما بالفكرة وتركهما لينفذاها، وهو يعلم أنهما تابعان مخلصان، وأن نفسيهما ستقودهما إلى أضل سبيل؛ فهو يعلم تمام العلم خصالهما، ويعلم أنهما للطمع ملبّيان، وبجمع الأموال شغوفان، وبالخيانة متحليان.
اتحدت إرادتهما، واتفقا على السرقة، ودبرا وخططا ووزعا الأدوار بينهما، فكان دور المتهمة الرابعة مراقبة المجني عليه، ومعرفة تحركاته وخطواته، وإخبار المتهم الأول بالوقت الذي يكون فيه قابعا بمنزله وحيدًا، لا منقذ له ولا منجد.
وظلا يفكران وينسجان ويخططان لتنفيذ مخططهما، حتى اختمرت الفكرة بداخلهما، وأخذ المتهم الأول يبحث عمن يعاونه ويساعده في تنفيذ مخططه، فاتصل برفيق له في الإجرام، وهو المتهم الثاني محمد أحمد، والذي استعان بدوره بالمتهم الثالث هيثم عبدالله نفادي، واتفقوا جميعًا على سرقة المجني عليه وقتله حال مقاومته.
وبالفعل بدأت المتهمة الرابعة في مراقبة تحركات المجني عليه على مدار ما يقرب من شهر، تخبر فيها المتهم الأول، الذي كان حلقة الوصل بينه وبين المتهمين الثاني والثالث.
وابتدأ المتهمون أولى خطواتهم التنفيذية برصد المجني عليه وجمع المزيد من المعلومات عنه، وفي اليوم السابق للواقعة، هاتفت المتهمة الرابعة المتهم الأول وأخبرته أن المجني عليه أصبح وحيدًا قابعا بمنزله بمفرده، لسفر زوجته وأبنائه إلى القاهرة لحضور حفل زفاف أحد أقاربها.
وما إن علم المتهم الأول بذلك حتى هاتف المتهم الثاني، والذي بدوره هاتف المتهم الثالث ليخبره بموعد التنفيذ
اليوم السابع والعشرون من شهر يناير لعام 2024، التقى المتهمون من الأول حتى الثالث، وأعد المتهم الأول سلاحًا أبيض، وأداتين عبارة عن ماسورة حديدية وعتلة حديدية، ودراجة نارية عبارة عن "توك توك"، لتكون وسيلة انتقالهم من محل إقامتهم بمركز البداري إلى مسرح تنفيذ جريمتهم بقرية المشايعة بحري ـ مركز الغنايم.
فاستقل المتهمون الثلاثة الدراجة النارية وتوجهوا إلى محيط محل إقامة المجني عليه، وانتظروا حتى أسدل الليل ستاره، وهاتفت المتهمة الرابعة المتهم الأول وأخبرته بأن المجني عليه ذاهب لتوصيل مديرة مكتبه عقب انتهاء عمله.
وفي تلك اللحظة تحرك المتهمون إلى منزل المجني عليه في ليلة شتوية دامسة الظلام، وكانت المتهمة الرابعة تراقب لهم الطريق، حتى وصلوا بالقرب من مسكن المجني عليه، وطفقوا يحومون حول منزله كالضباع الضارية في الغابة.
وعقب عودة المجني عليه بمفرده إلى منزله، كانت تلك الوحوش في انتظاره، وما إن دلف المجني عليه إلى عتبة مسكنه حتى تبعه المتهمان الأول والثاني، وبحوزتهما الأسلحة البيضاء، بينما ظل المتهم الثالث مستقلاً الدراجة النارية خارج المسكن ليراقب لهما الطريق ويؤمن هروبهما.
وما إن دلف المجني عليه داخل المسكن، وقبل تمكنه من إغلاق باب منزله، حتى باغته المتهمان الأول والثاني وقاما بمطاردته والسيطرة عليه، بأن قاما بتكبيل قدميه ويديه وتكميم فمه لشل حركته، ثم انهال المتهم الثاني عليه ضربًا طالبًا منه الإفصاح عن أرقام الخزينة التي يحتفظ بها.
فإذا بهما ينهالان عليه ضربًا بكل قوتهما في أنحاء جسده، غير آبهين بآهاته واستغاثاته، ولم يتركاه حتى فاضت روحه إلى بارئها نتيجة إسفكسيا كتم النفس، محدثين به الإصابات الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية.
ثم ذهبا يلهثان وراء أطماعهما الآثمة، يجوسان داخل المنزل بحثًا عن المال، حتى عثر المتهم الثاني على مبلغ مالي وفرَّ رفقة المتهم الثالث، بينما استمر المتهم الأول يلهث وراء أطماعه ولم يكتفِ بذلك، بل قام بفتح الخزينة الحديدية باستخدام العتلة الحديدية، واستولى منها على مقتنيات ثمينة ومصوغات ذهبية ونقود ذهبية.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل جلس بجوار جثمان المجني عليه يسرق مقتنياته، وأخذ يحاول إخفاء معالم جريمته بالتخلص من الكاميرات ومحو آثار بصماته من الخزينة الحديدية والهواتف المحمولة.
وما إن أنهى جريمته حتى توجه إلى مسكن المتهمة الرابعة، وأخفى لديها الأموال، ثم لاذ بالفرار ظانًا أن أمره لم يُكشف.
وفي صباح اليوم التالي، حضرت السكرتيرة التي تعمل لدى المجني عليه في موعدها المعتاد، فلاحظت أن باب المسكن مفتوح على غير عادته، فدلفت مرتابة أن هناك أمرًا غير معتاد، فوجدت بعثرة بمقتنيات المسكن، وعثرت على المجني عليه جثة هامدة، فقامت بإبلاغ أهله والشرطة.
وبإجراء التحريات السرية، أسفرت عن أن المتهمين هم مرتكبو الواقعة، وتم ضبط المتهمين الأول والثالث والرابعة، وبحوزتهم بعض المسروقات والأدوات المستخدمة في الواقعة.
وباستجواب المتهم الأول والمتهمة الرابعة، أقرا بارتكابهما الواقعة بالاتفاق فيما بينهما، وأن المتهم الأول هو من اتفق مع المتهم الثاني، والذي استعان بدوره بالمتهم الثالث.
وعليه، قامت النيابة العامة باصطحاب المتهم الأول إلى مسكن المجني عليه، حيث قام بتمثيل جريمته، وتم توثيق معاينة تصويرية لما قام به من أفعال أثبتتها النيابة العامة، وأفردت لها محضرًا مستقلًا أُرفق بتحقيقات النيابة العامة، والتي طالعتها المحكمة واطمأنت إلى إقرار المتهم الأول وتطابق جميع الأفعال التي قام بها مع ما أقر به.
فاشتركوا جميعًا في ارتكاب جريمتهم، وهي جناية القتل المقترنة بجناية السرقة.





