جنايات الجيزة: صمت المتهم حق دستوري ولا يجوز تفسيره ضده
في حيثيات حملت رسائل قانونية ودستورية تتجاوز حدود الدعوى ذاتها، أرست محكمة جنايات الجيزة برئاسة المستشار د. محمد الجنزوري، مجموعة من المبادئ المهمة بشأن قرينة البراءة وحق المتهم في الصمت وحدود سلطة مأمور الضبط القضائي في بناء الاتهام.
وأكدت المحكمة في حيثيات حكمها برئاسة المستشار د. محمد الجنزوري وعضوية المستشارين محمد سالمان و ووائل الشيمي و أيمن زعلوك، بأمانة سر أحمد رفعت، أن العدالة الجنائية لا تُبنى على الظنون أو الروايات المجردة، بل على أدلة يقينية قاطعة، مشددة على أن الشك يفسر دائمًا لمصلحة المتهم، وأن صمته أمام جهات التحقيق لا يمكن أن يتحول إلى قرينة إدانة أو وسيلة للنيل من ضماناته الدستورية، لتنتهي إلى القضاء ببراءة المتهم من اتهامات الاتجار في المواد المخدرة وإحراز سلاح أبيض.
المحكمة: تجار المخدرات لا يكشفون أنفسهم بهذه الطريقة.. تفاصيل الحكم
أودعت محكمة جنايات الجيزة برئاسة المستشار د. محمد الجنزوري، حيثيات حكمها ببراءة المتهم عمرو جودة من اتهامات إحراز مواد مخدرة بقصد الاتجار وإحراز سلاح أبيض، مستندة إلى عدة مبادئ قضائية ودستورية مهمة، في مقدمتها قرينة البراءة، وحق المتهم في الصمت، وعدم كفاية الشكوك أو رواية شاهد واحد غير مطمئنة للإدانة.
أهم ما تضمنه الحكم من مبادئ وأسباب:
أولًا: حق المتهم في الصمت ليس دليلًا ضده
أكدت المحكمة أن تمسك المتهم بحقه في الصمت أمام النيابة العامة ورفضه التوقيع على أقواله لا يعد دليلًا ضده، ولا قرينة على صحة الاتهام، وإنما هو استعمال لضمانة دستورية أصيلة كفلها الدستور المصري والمواثيق الدولية.
وقالت المحكمة إن عبء الإثبات يقع على سلطة الاتهام وحدها، وليس على المتهم أن يثبت براءته بالكلام أو الرد على الأسئلة، مشددة على أن صمت المتهم لا يجوز تفسيره ضده أو استخدامه كدليل لإدانته.
ثانيًا: قرينة البراءة تظل قائمة حتى يثبت العكس بيقين
أوضحت المحكمة أن الأصل في الإنسان البراءة، وأن الأحكام الجنائية لا تبنى على الظن أو الاحتمال أو الفروض المجردة، وإنما يجب أن تقوم على الجزم واليقين المستمدين من دليل معتبر وقاطع.
وشددت الحيثيات على أن الشك إذا تسرب إلى عقيدة المحكمة في صحة الدليل، وجب أن يفسر لمصلحة المتهم.
ثالثًا: عدم معقولية تصوير الواقعة كما رواها الضابط
رأت المحكمة أن رواية شاهد الإثبات لا تستقيم مع المنطق أو المجرى الطبيعي للأمور، إذ ليس من المتصور عقلًا أن يكون المتهم محرزًا كمية من المخدرات بقصد الاتجار، ثم يشهر سلاحًا أبيض “كتر” ويتشاجر به في الطريق العام أمام المارة وعلى مرأى من الشرطة، وهو يحمل المخدرات.
واعتبرت المحكمة أن هذا التصوير يخالف ما جرى عليه حال تجار المخدرات من الحيطة والحذر، خاصة مع علمهم بقسوة العقوبة حال ضبطهم.
رابعًا: التشكيك في حالة التلبس
انتهت المحكمة إلى أن رواية الضبط جاءت في نظرها محاولة لإسباغ الشرعية على إجراءات تمت بالمخالفة لقواعد الشرعية الإجرائية، ووصفت حالة التلبس بأنها لا تصادف الواقع ولا تطمئن إليها.
وبناء على ذلك، طرحت المحكمة شهادة الضابط وما أثبته بمحضر الضبط من أقوال منسوبة للمتهم.
خامسًا: انفراد الضابط بالشهادة وحجب باقي أفراد القوة
أكدت المحكمة أنها لم تطمئن إلى انفراد شاهد الإثبات الأوحد بالشهادة، رغم وجود قوة مرافقة له وقت الضبط، معتبرة أن حجب باقي أفراد القوة عن أداء الشهادة يثير الريبة في صحة الواقعة كما تم تصويرها.
وقالت المحكمة إن هذا المسلك لا تجد له مبررًا سوى محاولة تثبيت دعائم الاتهام وتفادي كشف الصورة الحقيقية للواقعة.
سادسًا: عدم الاطمئنان إلى الإقرار المنسوب للمتهم
رفضت المحكمة التعويل على ما أورده الضابط من أن المتهم أقر له بإحراز المواد المخدرة بقصد الاتجار، لأن المتهم أنكر ذلك منذ بداية التحقيقات وحتى جلسة المحاكمة.
ورأت المحكمة أن هذا الإقرار المنسوب إليه ليس بمنأى عن الشك، ولا يصلح وحده سندًا للإدانة.
سابعًا: خلو الأوراق من دليل مشروع تطمئن إليه المحكمة
خلصت المحكمة إلى أن أوراق الدعوى لم تتضمن دليلًا قاطعًا يصلح لإدانة المتهم، سوى أقوال ضابط الواقعة التي لم تطمئن إليها، ولم يرد بالأوراق دليل مشروع يعضد الاتهام ويتفق مع الدستور والقانون.
وانتهت المحكمة إلى القضاء ببراءة المتهم عمرو جودة مما أسند إليه، مع مصادرة المخدر والسلاح الأبيض المضبوطين عملًا بالمادة 30/2 من قانون العقوبات.
شاهد أيضا: زلزال في المحكمة.. د. محمد أبو شقة يقلب الطاولة ويفجر مفاجآت مدوية في قضية "الديزل"





