إن الأزهر الشريف منذ نشأته قبل أكثر من ألف عام، ظلّ منارةً للعلم والدين، وحصنًا منيعًا في وجه كل محاولات الطمس والهيمنة، وقلعةً وطنيةً صلبةً لم تخضع لمحتلّ، ولم تُساير ظالمًا. فقد كان ـ ولا يزال ـ صوت الأمة الحرّ، وضميرها اليقظ، وسلاحها الفكري في مواجهة كل عدوان يهدد هوية مصر والعالم الإسلامي.
ولم يكن دور الأزهر يومًا دينيًا فحسب، بل كان دائمًا رائدًا في قيادة الحركات الوطنية ومواجهة المحتلين.
ففي عهد الدولة العثمانية كان للأزهر مكانته الرفيعة، إذ لم يكن الخليفة العثماني يعيّن واليًا على مصر إلا بعد موافقة شيخ الإسلام بالأزهر، الذي كان يمتلك سلطة القبول أو الرفض، حرصًا على مصلحة البلاد واستقلال إرادتها.
وكثيرًا ما رفض الأزهر ولاةً أرسلهم الخليفة لما رأى فيهم من ظلم أو طغيان.
ومع الغزو الفرنسي، برز دور الأزهر قائدًا لثورة المصريين ضد الاحتلال بقيادة الشيخ عمر مكرم، الذي وحّد صفوف الشعب في وجه نابليون، رغم محاولاته التقرب إلى العلماء بادّعاء الإسلام. لكن الأزهر لم يُخدع، فظلّ متمسكًا بكرامته وواجبه الوطني. ومن بين أبناء الأزهر الأبرار، قدّم الطالب السوري البطل الذي اغتال القائد الفرنسي كليبر بخنجره، نموذجًا للفداء والإخلاص، فصعد شهيدًا على الخازوق، وخلّد التاريخ اسمه في سجل الشرف.
كما كان لشيوخ الأزهر الدور الأبرز في خلع الوالي العثماني خورشيد باشا، وتولية محمد علي باشا حكم مصر، في موقف وطني حكيم وضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. ثم واصل الأزهر مسيرته الوطنية، فكان له إسهام بارز في ثورة 1919م بقيادة الزعيم الأزهري سعد زغلول، كما دعم ثورة يوليو 1952م التي أنهت الحكم الملكي وأعادت لمصر كرامتها واستقلالها.
وهكذا ظلّ الأزهر حاضرًا في كل لحظة من تاريخ الوطن، منبرًا للحق، ودرعًا للأمة، حتى غدا رمزًا من رموزها الكبرى، ومحلّ تقدير واحترام الشعوب الإسلامية جمعاء.
وحين يقول الأزهر كلمته، تصغي له القلوب قبل الآذان في أنحاء العالم الإسلامي، لما يمثّله من مرجعية علمية وروحية عريقة.
لكن هذه المكانة الرفيعة جعلت منه هدفًا رئيسًا لأعداء الأمة، وفي مقدمتهم الصهيونية العالمية التي تتبنى منذ سنوات طويلة حملات منظمة لتشويه صورته، والنيل من رموزه وعلمائه، عبر وسائل الإعلام والتكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي. وقد كشف الدكتور أحمد سالم، أحد علماء الأزهر، في بحثه المهم «الأزهر في مرايا الاستشراق الصهيوني» عن الاستراتيجيات التي تستخدمها إسرائيل لتشويه صورة الأزهر واتهامه بالتشدد، ضمن خطة تهدف إلى ضرب رموز الاعتدال في العالم الإسلامي.
والمؤسف أن بعض الأصوات من داخل الأمة، تشارك ـ بوعي أو بغير وعي ـ في هذه الحملة، فتردد مزاعم الأعداء وتهاجم المؤسسة العريقة، متناسية أن الطعن في الأزهر طعن في هوية الأمة ذاتها، وأن الإساءة إليه إساءة إلى تاريخ مصر المجيد ودورها القيادي في العالم الإسلامي.
والأشد أسفا أن توجه الطعنات والإساءات من بعض من ينتسبون إلى هذه المؤسسة، الذين يفتشون عن الصغيرة والكبيرة مما يمكن أن يقع من أخطاء في مؤسسة تمتد معاهدها وكلياتها - تزيد عن مائة كلية- على كل مساحة الوطن، وهم لا يدركون أنهم حينما يرمون الحجارة على مؤسستهم، كمن يرميها على بيته- مصدر شرفه وعزه- فيرتد أثرها عليه.
ياكل مصري، ويا كل أزهري رفقا بأزهركم
فهو ليس مؤسسة علمية فحسب، بل هو روح الأمة وذاكرتها وضميرها الحيّ، والمدافع الأول عن قضاياها العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي لم يتخلَّ عنها قولًا ولا فعلًا.
لذا فإن الدفاع عن الأزهر اليوم واجب وطني وديني على كل مصري وعربي ومسلم، حفاظًا على مكانته، وصونًا لرسالته، وردًّا لجميله على الأمة التي خدمها قرونًا طويلة دون انقطاع.
فالأزهر الشريف باقٍ ما بقي الحق، قويٌّ ما دام في الأمة رجالٌ يذودون عنه، راسخٌ كالجبل في وجه العواصف، لا تهزه حملات التشويه ولا تُطفئ نوره الأكاذيب.
سيظلّ الأزهر رمزًا للعلم والوسطية والوطنية، وقلعةً للكرامة لا تُغلب ولا تُهدم.