ads
عاجل
الجمعة 05 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

أولا: مقدمة: 

في سجل الأمم، حيث يُصاغ القانون نثرًا، والمجتمع قصيدة تُكتب فصول المجد بحبرين؛ حبر التشريع الذي يرسم حدود الحقوق والواجبات، وحبر التكافل الذي يغزل نسيج المجتمع. وفي عالم تتلاطم فيه أمواج التحولات الاقتصادية وتتعاظم فيه تحديات الحياة، لا يعود الأمن الاجتماعي مجرد شبكة أمان، بل يصبح ضرورة وجود وبوصلة استقرار. إنه ليس مجموعة من الخدمات تُقدَّم، بل هو ميثاق يتجدد، وفلسفة حكم تتجلى، ورؤية أمة لمستقبلها، حيث العدالة والرخاء ليسا حلمًا، بل حقًا يكفله القانون ويصونه القضاء.

ومن بين تلك الأمم، تقف الإمارات لتنير للعالم عقدًا للتضامن الاجتماعي الجديد. ففي ديباجة دستورها، سُطرت إرادة الآباء المؤسسين في "توفير حياة أفضل، واستقرار أمكن، ومكانة دولية أرفع لها ولشعبها جميعًا". تلك الأسطر لم تكن مجرد كلمات، بل كانت عقدًا اجتماعيًا وروحًا تسري في جسد الدولة وتشريعاتها.

واليوم، وفي إمارة أبوظبي، نرى هذا العقد الاجتماعي يتجلى في أبهى صوره من خلال منظومة تشريعية فذة، تتجسد في التناغم البديع بين هيئة أبوظبي للدعم الاجتماعي، وهيئة المساهمات المجتمعية (معًا)، وهيئة الأوقاف وإدارة أموال القصر. إنه ليس مجرد تعاون بين مؤسسات، بل هو سيمفونية متكاملة، تعزف على أوتار المسؤولية المشتركة والتمكين الإنتاجي والاستدامة الوقفية، لتبني صرحًا منيعًا أسمته "الأمن القومي الاجتماعي المنتج".

إن بناء مجتمع مزدهر لا يقوم على العطاء أحادي الاتجاه، بل على علاقة قانونية متبادلة؛ فالدعم ليس منّة، بل هو استثمار في أثمن أصول الأمة وهو الإنسان. والمساهمة ليست تبرعًا، بل هي واجب تمليه المواطنة الحقة. والوقف ليس مجرد صدقة، بل هو استدامة مؤسسية للخير. هذا التناغم بين الحق والواجب والاستدامة، هو جوهر الملحمة القانونية التي تسطرها أبوظبي، والتي تستحق أن تُروى للأمم وتُدرَّس للناس.

ومن هنا، ننطلق في رحلة تحليلية عميقة، لا لِسبر أغوار العلاقة بين هذه الهيئات الثلاث فحسب، بل لنضع هذا النموذج الرائد في حوار عالمي مع مدارس الرعاية الاجتماعية في شرق آسيا والدول الاسكندنافية والغرب؛ متفحصين الأطر القانونية والقضائية التي تحكمها، ومتسائلين بضمير الباحث، هل لأبوظبي أن تكون المشرّع الجديد لمنظومات التكافل العالمي؟ وما هي الآفاق المستقبلية لتعزيز هذا الصرح التشريعي ليغدو منارة تهتدي بها الشعوب والأمم؟

ثانيا: تآزر الرؤى وتكامل الأدوار: 

في قلب المنظومة التشريعية للتنمية الاجتماعية في أبوظبي، نشهد شهادة ميلاد من رحم الدستور ، حيث يقف الآن ثالوث مؤسسي راسخ، استمد وجوده وقوته من روح الدستور وإرادة المشرّع، ليعمل بتناغم فريد لتحقيق الغاية الأسمى وهي بناء مجتمع الكفاية والرفاه والاستدامة. لكل هيئة شخصيتها الاعتبارية المستقلة، ولكنها تتحد في الهدف، وتتكامل في الأثر، وكأنها فصول مترابطة في كتاب الدستور نفسه.

  1. هيئة أبوظبي للدعم الاجتماعي: حارس الكرامة ومهندس الاكتفاء بموجب القانون رقم (5) لسنة 2019، وُلدت هذه الهيئة كذراع للدولة يضمن الحق في حياة كريمة، تطبيقًا للمادة (16) من الدستور التي تنص على أن "يشمل المجتمع برعايته الطفولة والأمومة ويحمي القصر وغيرهم من الأشخاص العاجزين عن رعاية أنفسهم". مهمتها لا تنحصر في تقديم الدعم المالي والعيني، بل تتجاوز ذلك لتصبح مؤسسة للتمكين، تماشيًا مع المادة (20) التي "يقدر المجتمع العمل كركن أساسي من أركان تقدمه، ويعمل على توفيره للمواطنين وتأهيلهم له". إنها تجسيد لفلسفة قانونية ترى في الدعم جسرًا يعبر بالفرد من ضفة الحاجة إلى شاطئ الاستقلال المالي.
  2. هيئة المساهمات المجتمعية (معًا): ضمير المجتمع المترجم إلى أفعال وعلى الضفة المقابلة، وبموجب القانون رقم (6) لسنة 2019، بزغ فجر "معًا" لتكون المنصة القانونية للمسؤولية المجتمعية، وتعزيزًا لمبدأ "التعاضد والتراحم" الذي نصت عليه المادة (14). دورها هو جمع المساهمات المالية والعينية، وتوجيهها نحو مشاريع مبتكرة تعالج التحديات الاجتماعية، وهي بذلك تحقق ما نصت عليه المادة (24) من أن "الاقتصاد الوطني أساسه العدالة الاجتماعية وقوامه التعاون الصادق بين النشاط العام والنشاط الخاص".
  3. هيئة الأوقاف وإدارة أموال القصر: وعاء الاستدامة وحاضنة المستقبل ليكتمل العقد التشريعي، صدر القانون رقم (10) لسنة 2023 ليُنشئ هذه الهيئة، التي تجسد التزام الدولة بحماية "الأسرة أساس المجتمع" (المادة 15) ورعاية القصر (المادة 16). هذه الهيئة لم تأتِ لتكمل الصورة فحسب، بل لتضيف بُعدًا جديدًا من الاستدامة والعمق التاريخي المستلهم من المادة (7) التي تجعل من "الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع". فهي السلطة المختصة بإدارة شؤون الوقف، وحاضنة أموال القصر، مما يرسخ قيم الخير والعطاء ويحولها إلى عمل مؤسسي منظم ومستدام.
  4. أوجه التكامل: حينما يتحدث القانون بلغة الدستور العلاقة بين الهيئات الثلاث هي شراكة استراتيجية نسج الدستور خيوطها:
  5. تكامل الأدوار: بينما تقدم "هيئة الدعم" العون المباشر، وتعمل "معًا" على حشد الموارد المجتمعية الآنية، تضمن "هيئة الأوقاف" تدفق الخير عبر الأجيال، مما يخلق منظومة متكاملة تعالج الحاضر وتستثمر في المستقبل.
  6. وحدة الهدف الأسمى: جميعها تسعى لتحقيق هدف واحد وهو بناء مجتمع متماسك ومستدام، يُترجم فيه الأمن الاجتماعي إلى قوة إنتاجية دافعة للاقتصاد الوطني، تحقيقًا لرؤية الدستور في "توفير الحياة الأفضل لجميع المواطنين".
  7. تبادل "الأدلة" والخبرات: بيانات المستحقين لدى "هيئة الدعم" توجه مشاريع "معًا" ومصارف أوقاف "هيئة الأوقاف"، ومشاريع "معًا" والأصول الوقفية توفر "أدوات إعادة تأهيل" تمكّن مستحقي الدعم.
  8. تنويع المصادر واستدامتها: "معًا" تخفف العبء عن الميزانية الحكومية، بينما تضمن "هيئة الأوقاف" استدامة التمويل، مما يجعل العمل الخيري مسؤولية وطنية شاملة ومستدامة.

إن هذا الثالوث التشريعي يمثل سابقة في الإدارة الاجتماعية، حيث يجمع بين كفالة الحقوق الفردية، وتفعيل الواجبات المجتمعية، وضمان استدامة الخير عبر الأجيال.

ثالثا: القضاء.. شريك في العدالة الاجتماعية:

إن نجاح هذه المنظومة التشريعية الفريدة لا يكتمل إلا بدور محوري للقضاء، حيث تقف النيابة العامة و"قاضي الرحمة" كخط الدفاع الأول لضمان تطبيقها العادل والفعّال. فالنيابة العامة، في إطار العدالة الجزائية والعدالة الصديقة للأسرة والطفل، لا تقتصر مهمتها على تحريك الدعوى فحسب، بل تمتد لتشمل مراعاة الظروف الاجتماعية والإنسانية للمتهمين والمجني عليهم، وخاصة الأطفال والأسر، من خلال تفعيل الآليات القانونية التي تتيح تسويات ودية أو بدائل للعقوبات التقليدية، تماشيًا مع فلسفة الدعم والتمكين التي تتبناها الدولة.

وفي المقابل، يعمل "قاضي الرحمة" بضمير يجمع بين نصوص القانون وروح العدالة، فيراعي في أحكامه الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي قد تكون دفعت إلى الجريمة. ويبرز دوره بشكل خاص في حل النزاعات الأسرية، لا سيما قضايا النفقة المتعلقة بالأسر المتعسرة ماديًا، حيث يتجاوز دوره مجرد إصدار الأحكام ليقوم بتوجيه الأطراف نحو هيئة أبوظبي للدعم الاجتماعي لإيجاد حلول مستدامة تضمن كرامة الأسر وحقوق الأبناء، مما يحول الإشكاليات الاقتصادية من أزمة قضائية إلى فرصة للتعافي والدعم. هذا النهج يؤكد أن الأمن الاجتماعي المنتج هو ثمرة لتكامل التشريع والقضاء معًا، وأن القانون الأسمى هو الذي يحمي الفرد والأسرة من العوز والضياع.

رابعا: نموذج أبوظبي و حوار التشريعات الدولية:

يقف نموذج أبوظبي اليوم، ليس كمتلقٍّ للتجارب الدولية، بل كمحاور ومساهم فاعل في صياغة مستقبل الرعاية الاجتماعية عالميًا، وذلك بفضل منظومته الثلاثية الأبعاد التي تدمج بين الدعم الحكومي المباشر، والمساهمات المجتمعية الحديثة، ونظام الوقف الإسلامي العريق.

  • حوار مع شرق آسيا (اليابان وكوريا الجنوبية): تتشابه أبوظبي مع هذا النموذج في ربط الرفاه الاجتماعي بالنمو الاقتصادي. لكنها تتفوق بتقديم نموذج أكثر شمولية، لا يكتفي بإشراك الشركات عبر المسؤولية الاجتماعية (CSR)، بل يدمج آلية الوقف كأداة مالية ومجتمعية مستدامة.
  • حوار مع الدول الاسكندنافية (السويد والدنمارك): تلتقي أبوظبي مع هذا النموذج في السعي نحو الرفاه الشامل، لكنها تفترق عنه في "فلسفة التمويل". فبينما يعتمد النموذج الاسكندنافي على الضرائب المرتفعة، يقدم نموذج أبوظبي "حكم الشراكة"، موزعًا المسؤولية المالية على أوسع نطاق.
  • حوار مع الدول الغربية (ألمانيا والمملكة المتحدة): تتفق أبوظبي مع هذه النماذج في تشجيع دور المجتمع المدني. لكنها تتفوق في وضوح الهيكل المؤسسي؛ فبدلاً من توزيع الأدوار على عدد كبير من الجهات، قامت أبوظبي بخطوة تشريعية جريئة، فأسست هيئات حكومية متخصصة، تعمل بتكامل وتناغم.

أما الإطار القانوني والقضائي، فيمثل جوهرة التاج في نموذج أبوظبي. فالقوانين الصادرة تتميز بحداثة الصياغة، ووضوح الاختصاصات، ومنح الشخصية الاعتبارية الكاملة للهيئات. والأهم من ذلك، هو تضمين آليات للرقابة والمساءلة، مما يضع ضمانات قضائية لحماية حقوق المستفيدين ويؤكد سيادة القانون.

خامسا: أبوظبي نبراسًا في الأفق: 

إن الإجابة على سؤال ما إذا كانت أبوظبي قادرة على أن تكون نبراسًا يُحتذى به، تكمن في مقومات نموذجها الفريد. نعم، يمكن لأبوظبي أن تكون ذلك النبراس، ولتعزيز هذا الإشراق العالمي، نوصي بالآتي:

  1. إطلاق "تصنيف اللؤلؤ للمسؤولية المجتمعية" (Pearl Rating for Social Responsibility): تأسيس نظام تصنيف وطني مبتكر ومستقل، يقيّم ويصنّف المؤسسات والشركات (من نجمة لؤلؤة واحدة إلى خمس نجوم) بناءً على عمق وجودة مساهماتها في دعم المبادرات الاجتماعية والوقفية. هذا التصنيف لا يكون مجرد تكريم، بل "براءة ابتكار اجتماعي" وعلامة جودة تمنح الحاصلين عليها مزايا تنافسية (مثل الأفضلية في العقود الحكومية، وحوافز ضريبية)، وتجعل من المسؤولية المجتمعية جزءًا لا يتجزأ من الحوكمة المؤسسية، بما يتماشى مع أفضل المعايير الدولية للحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات (ESG).
  2. تطوير "الفقه الاجتماعي" المعاصر: تعميق الاستثمار في الأبحاث والدراسات المقارنة، وتطوير مؤشرات قياس دقيقة للأثر الاجتماعي والاقتصادي، لخلق "فقه" مستنير يرشد صناعة القرار ويطور آليات العمل الاجتماعي باستمرار.
  3. تفعيل "الدبلوماسية الاجتماعية": تصدير هذا النموذج التشريعي الرائد عبر المؤتمرات الدولية وتقديم الاستشارات القانونية للدول الأخرى، لتصبح أبوظبي مرجعية عالمية في هندسة النظم الاجتماعية المتكاملة.
  4. تأسيس "مسرّعات الأوقاف" (Waqf Accelerators): إنشاء منصات متخصصة لدعم وتحفيز الأفكار الوقفية المبتكرة، ومساعدة الواقفين على تحويل أفكارهم إلى مشاريع ومؤسسات وقفية مستدامة وذات أثر عالٍ.
  5. بناء قدرات الكوادر الوطنية المتخصصة في مجالات إدارة المنظمات غير الربحية، والاستثمار الاجتماعي، والإدارة الوقفية وهي ما تضمنها أكاديمية أبوظبي القضائية بدائرة القضاء أبوظبي بمناهجها وبرامجها ذات الصلة ببرامج التكوين الأساسي والتخصصي والمستمر بالفعل للدوائر والهيئات المذكورة وذات الصلة ، خاصة برامج موظفي انفاذ القانون في تلك الجهات والمستشارين القانونيين بها .
  6. إبرام "معاهدات" شراكة دولية: بناء شراكات استراتيجية مع المنظمات الدولية الرائدة لتبادل الخبرات والمساهمة في صياغة الأجندة العالمية للرفاه الاجتماعي.
  7. تحصين البيانات بـ "درع سيبراني": مع التحول الرقمي، يصبح تعزيز الأمن السيبراني للبيانات الاجتماعية ضرورة قصوى لضمان الثقة والامتثال للمعايير الدولية.

إن ما تقدمه أبوظبي اليوم هو أكثر من مجرد نموذج إداري؛ إنه شهادة للتاريخ بأن القانون يمكن أن يكون أداة للبناء والإبداع والرحمة. إنه قفزة نوعية نحو مجتمع مستدام، يجمع بين أصالة القيم وعصرية التشريع. وباستمرار هذا النهج، فإن أبوظبي لا تكتب دستورًا محليًا للرفاه الاجتماعي فحسب، بل تساهم في صياغة إعلان عالمي جديد لحقوق الإنسان، إعلانٌ يؤكد أن الأمن الحقيقي هو أمن اجتماعي منتج ومستدام، وأن القانون الأسمى هو ذلك الذي يحول الحرف إلى نثر، والنثر إلى قصيدة، في سيمفونية مجتمعية تعزف لحن التقدم والازدهار لمجتمع الإنتاج والرفاه.

تم نسخ الرابط