جنايات الطفل تناشد المشرع بمراجعة العقوبات بالغة الجسامة بعد مقتل الصغير ياسين
أودعت محكمة جنايات الطفل «أول درجة» بمغاغة والعدوة، بمحكمة المنيا الابتدائية، حيثيات حكمها الصادر بمعاقبة الطفل مصطفى عصام بالسجن لمدة 15 عامًا، عن جناية قتل الطفل ياسين عيد عمدًا مع سبق الإصرار والترصد، والمقترنة بجناية خطفه بطريق التحيل، إلى جانب حبسه 3 أشهر عن قيادة مركبة آلية دون ترخيص.
صدر الحكم برئاسة القاضي كريم الفرغلي، وعضوية القاضيين مصطفى أبو الخير وطارق سيد، بحضور مريم عمر وكيل النيابة، وأمانة سر طارق رمضان، والأخصائيين الاجتماعيين معوض علي ومنى عبد الرازق.
تفاصيل الحكم في قضية الطفل ياسين
قضت المحكمة حضوريا بمعاقبة المتهم بالسجن لمدة 15 عامًا عن جناية القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، المقترنة بجناية خطف طفل بطريق التحيل، كما عاقبته بالحبس لمدة 3 أشهر عن جنحة قيادة مركبة آلية دون الحصول على رخصة قيادة، وأعفته من المصاريف الجنائية.
وأوضحت المحكمة في حيثيات حكمها أن عقوبة السجن 15 عامًا تمثل أقصى عقوبة أجازها قانون الطفل في الحالة المعروضة، بالنظر إلى أن المتهم وقت ارتكاب الواقعة كان قد تجاوز الخامسة عشرة من عمره ولم يتجاوز الثامنة عشرة.
اتهامات القتل والخطف وقيادة مركبة دون ترخيص
أسندت النيابة العامة إلى المتهم أنه في يوم 20 مارس 2026، بدائرة مركز مغاغة بمحافظة المنيا، قتل المجني عليه ياسين عيد عمدًا مع سبق الإصرار والترصد، بعدما بيت النية وعقد العزم على قتله على خلفية خلافات سابقة مع والده.
بأن استدرج المتهم الطفل إلى محل الواقعة، وما إن ظفر به حتى دفعه في المياه قاصدًا إزهاق روحه، ما أدى إلى وفاته غرقًا، كما خطفه بطريق التحيل بعدما اصطحبه بزعم شراء بعض الحلوى له، ثم نقله بسيارة إلى منطقة نائية بعيدًا عن أعين الرقباء.
كما نسبت النيابة العامة إلى المتهم قيادة مركبة آلية دون الحصول على رخصة قيادة، رغم عدم جواز منحه ترخيصًا لقيادة أي مركبة آلية لصغر سنه.
المحكمة: الأدلة جاءت متساندة ومتكاملة
أكدت المحكمة في حيثياتها أنها استقرت في يقينها واطمأن إليها وجدانها إلى ارتكاب المتهم الجرائم المسندة إليه، استنادًا إلى مجموعة من أدلة الثبوت القولية والفنية التي جاءت متساندة ومتعاضدة، يكمل بعضها بعضًا، وتتضافر جميعها في تكوين عقيدة المحكمة.
وتمثلت الأدلة، في أقوال شهود الإثبات، وما أسفرت عنه تحريات الشرطة، واعتراف المتهم تفصيليًا، فضلًا عن الدليل الفني المستمد من تقرير الصفة التشريحية، الذي أثبت أن الوفاة نتجت عن إسفكسيا الغرق.
شهادة والدة الطفل ياسين
أوضحت والدة المجني عليه، زمزم ربيع، أن نجلها خرج من المنزل صباح يوم الواقعة ولم يعد، وأنها علمت من أهالي القرية أنه شوهد يستقل سيارة المتهم قبل اختفائه.
وأضافت أنها اتصلت بالمتهم لمواجهته، إلا أنه أنكر علمه بمكان الطفل ثم أغلق هاتفه، مشيرة إلى وجود خلافات سابقة بينها وبين المتهم على خلفية اتهامها له بسرقة مبلغ مالي من منزل والدها، وسبق تهديده لها، وانتهت إلى اتهامه بقتل نجلها.
والد المجني عليه يتهم آخر من شوهد مع نجله
شهد والد المجني عليه، عيد فاروق، بمضمون ما قررته زوجته، وأضاف أنه عاد من خارج البلاد عقب علمه بالواقعة، وأن آخر شخص شوهد بصحبة نجله كان المتهم.
كما تعرف والد الطفل على الصور والمقاطع الصوتية الخاصة بالمجني عليه، وانتهى في شهادته إلى اتهام المتهم بارتكاب الواقعة.
اعتراف تفصيلي بعد ضبط المتهم
شهد الرائد محمد رشدي، معاون مباحث مركز شرطة مغاغة، بأنه نفاذًا لإذن النيابة العامة تمكن من ضبط المتهم، وبمواجهته بما توصلت إليه التحريات اعترف تفصيليًا بارتكاب الواقعة.
وكشف المتهم، وفق ما أثبته الضابط، أن دافعه كان الانتقام من والد المجني عليه بسبب خلافات سابقة، وأنه استدرج الطفل واستقل به السيارة المستخدمة في الواقعة حتى أعلى كوبري الفشن، ثم ألقاه عمدًا في المجرى المائي قاصدًا إزهاق روحه، قبل أن يرشد عن السيارة المستخدمة في الجريمة ليتم ضبطها.
تحريات المباحث: المتهم بيت النية للانتقام
قرر الرائد يحيى شاهين، رئيس وحدة مباحث مركز شرطة مغاغة، أن تحرياته السرية الجادة توصلت إلى صحة الواقعة، وأن المتهم بيت النية وعقد العزم على الانتقام من والد الطفل.
وأضاف أن المتهم استدرج المجني عليه بدعوى شراء بعض الألعاب، ثم اصطحبه بسيارة إلى أعلى كوبري الفشن، وألقاه عمدًا في مياه نهر النيل قاصدًا قتله، مشيرًا إلى أن ما أسفرت عنه التحريات جاء متوافقًا مع اعتراف المتهم وسائر أدلة الدعوى.
الصفة التشريحية: الوفاة نتيجة إسفكسيا الغرق
ثبت للمحكمة من تقرير الصفة التشريحية أن وفاة المجني عليه نشأت عن إسفكسيا الغرق، وأن هذا السبب كان السبب المباشر للوفاة، وهو ما جاء متفقًا مع تصوير شهود الإثبات واعتراف المتهم.
وقالت المحكمة إنها اطمأنت إلى التقرير الطبي وأخذت به لسلامة أسسه الفنية وخلوه مما ينال من صحته، ولتوافقه مع الحقيقة التي استخلصتها من باقي أوراق الدعوى.
لماذا اطمأنت المحكمة إلى الاعتراف والتحريات؟
أشارت المحكمة إلى أنها اطمأنت إلى أقوال شهود الإثبات، بعدما جاءت متساندة ومتوافقة في جوهرها دون تناقض يتعلق بالوقائع الأساسية، كما اطمأنت إلى اعتراف المتهم بمحضر الضبط وتحقيقات النيابة العامة.
ووصفت المحكمة الاعتراف بأنه صريح ومفصل ومطابق للحقيقة التي كشفت عنها التحقيقات، وصدر عن إرادة حرة واعية، وجاء مؤيدًا بباقي الأدلة القولية والفنية، كما اطمأنت إلى التحريات لجديتها ولما عززها من أدلة مستقلة.
وانتهت المحكمة إلى أن أدلة الإثبات تكاملت وتساندت، وأن عقيدتها لم تقم على دليل منفرد، وإنما تشكلت من مجموع الأدلة التي اطمأنت إليها اطمئنانًا كاملًا، بما يثبت ارتكاب المتهم للجرائم المسندة إليه ثبوتًا يقينيًا لا يداخله شك.
المحكمة تطالب المشرع بمراجعة العقوبات بشأن الأطفال
اختتمت المحكمة حيثياتها برسالة تشريعية، أكدت فيها أنه رغم توقيع أقصى عقوبة أجازها القانون بحق المتهم، وهي السجن 15 عامًا إعمالًا لأحكام قانون الطفل، بالنظر إلى جسامة الجريمة وما انطوت عليه من قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد، فإن العقوبة المقررة في مثل هذه الجرائم قد لا تحقق في بعض الحالات الاستثنائية القدر الكافي من الردع العام والخاص المتناسب مع خطورة الفعل وآثاره على المجتمع.
وأهابت المحكمة بالمشرع، بوصفه صاحب الاختصاص الأصيل في رسم السياسة العقابية للدولة، أن يعيد النظر في التنظيم التشريعي للمسؤولية الجنائية للأطفال في الجرائم بالغة الجسامة، وأن يوازن بين حماية المجتمع وتحقيق العدالة الجنائية، وبين فلسفة قانون الطفل القائمة على الإصلاح والتأهيل.
وشددت المحكمة على أن أي مراجعة تشريعية يجب أن تتم في ضوء أحكام الدستور، ومبادئ الشريعة الإسلامية المنصوص عليها في المادة الثانية منه، وبما لا يجاوز الإطار الدستوري والالتزامات الدولية التي ارتضتها الدولة، وصولًا إلى ما يحقق الصالح العام.







