ads
الخميس 16 يوليو 2026
رئيس التحرير
محمد الطوخي

الحرب العالمية الثانية… ليست فقط أكبر حرب عرفتها البشرية… بل هي الحرب التي أعادت رسم خريطة العالم بالكامل… وهي الحرب التي خرجت منها أمريكا ليست مجرد دولة قوية… بل إمبراطورية تقود العالم!
لكن السؤال : هل دخلت الولايات المتحدة الحرب دفاعًا عن الديمقراطية فعلًا؟
أم أن الحرب كانت فرصة ذهبية… لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية لا تُقدّر بثمن؟
في حلقة اليوم، سنكشف … كيف تعاملت أمريكا مع الحرب العالمية الثانية … وكيف تأخرت في الدخول… ثم كيف خرجت منها وهي القوة الأعظم على وجه الأرض.
بعد الحرب العالمية الأولى… كانت أمريكا قد حققت مكاسب ضخمة… بل واستحوذت على ما يقارب 45% من احتياطي الذهب في العالم.
وهنا بدأت مرحلة جديدة… أمريكا لم تعد فقط دولة صناعية… بل أصبحت دولة تخطط للحرب القادمة مبكرًا.
فبدأت التوسع في التصنيع العسكري… تحسبًا لأي صراع جديد… سواء بالمشاركة المباشرة في الحرب… أو بتوريد السلاح للأطراف المتقاتلة.
والسؤال هو هل هناك تجارة أكثر ربحًا من تجارة الحرب؟
مع اندلاع الحرب العالمية الثانية… شهدت الولايات المتحدة موجة واسعة من الرفض الشعبي للدخول في الحرب.
صحيح أن أمريكا خرجت من الحرب العالمية الأولى منتصرة… لكن الشعب الأمريكي رأى أن تلك الحرب لم تكن حربه… بل تم توريطه فيها توريطًا…!
وكانت الجماهير تقول بصوت واضح: "دخلنا حربًا لا ناقة لنا فيها ولا جمل!"
لذلك… أصبح من الصعب على الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت أن يعلن دخول الحرب… خاصةً مع اقتراب انتخابات عام 1940م.
كانت المنافسة الانتخابية محتدمة بين: روزفلت (Franklin Roosevelt) ويندل ويلكي (Wendell Willkie)
وكانت القضية الأولى في الانتخابات: هل ستدخل أمريكا الحرب الأوروبية أم لا؟
كان ويندل يلكي من أشد المعارضين للتدخل… بينما كان روزفلت يميل إلى دعم بريطانيا… لكن المشكلة أن الرأي العام الأمريكي كان يرفض ذلك بأغلبية ساحقة. ... فماذا فعل روزفلت؟
قام بمناورة سياسية ذكية… ووعد الشعب الأمريكي بأنه إذا أُعيد انتخابه… فسوف يُجنب الولايات المتحدة الدخول في الحرب.
وبالفعل فاز روزفلت… وأصبح الرئيس الوحيد الذي حكم أكثر من دورتين من عام 1933 حتى عام 1945.
لكن هل كان روزفلت صادقًا في وعده؟ أم أنه كان يعد الشعب بشيء… ويخطط لشيء آخر؟
بعد فوزه… أصبح روزفلت مقتنعًا أن مصلحة أمريكا في دخول الحرب بجوار بريطانيا.
ولا غرابة في ذلك… فروزفلت ينتمي لعائلة مصرفية مؤثرة… وكان قريبًا من دوائر المال الكبرى في نيويورك.
وكان يرى أن مكاسب الحرب العالمية الأولى… هي التي أنقذت أمريكا من موجة الكساد العظيم في الثلاثينيات.
فبدأ في رفع النفقات العسكرية بشكل هائل… بل رفع الميزانية العسكرية من 2 مليار دولار إلى 20 مليار دولار في عام واحد فقط!  .... أي عشرة أضعاف…!
كما انتعش الاقتصاد الأمريكي بسبب بيع الأسلحة لبريطانيا والاتحاد السوفيتي.
إذاً هل كانت أمريكا تستعد للدفاع عن العالم؟أم تستعد لتحويل الحرب إلى مشروع اقتصادي ضخم؟
ولأن الشعب الأمريكي كان يرفض الحرب… لم يعلن روزفلت الدخول رسميًا… لكنه بدأ بتغيير المزاج العام تدريجيًا.
وخرج بخطاب شهير قال فيه:"إذا كان بيت جارك يحترق… فمن الشهامة أن تمد له خرطوم المياه."
وهنا اقتنع الأمريكيون… طالما لم تُرسل أمريكا جنودها إلى الجبهة… فلتساعد الحلفاء بالسلاح.
ومن هنا ظهر التعبير الشهير: "الولايات المتحدة ترسانة الديمقراطية."
ثم بدأت أمريكا بحماية السفن التجارية في المحيط الأطلسي… لكن الهدف الحقيقي كان حماية السفن التي تحمل المؤن إلى بريطانيا.
ومع احتكاك البحرية الأمريكية بالغواصات الألمانية… قامت الغواصات الألمانية بإغراق سفن أمريكية… وسقط بحارة أمريكيون.
ورغم ذلك… لم يعلن روزفلت الحرب بعد.
فهل كان روزفلت ينتظر سببًا أكبر؟ سببًا يقلب الرأي العام الأمريكي رأسًا على عقب؟
وهنا تظهر الحقيقة الصادمة… بينما كانت أمريكا تعلن دعم الحلفاء… كانت بعض الشركات الأمريكية تمول ألمانيا النازية أيضًا!
من بين تلك الشركات: منظمة I.G. Farben التي ساهمت في إنتاج نسبة ضخمة من متفجرات ألمانيا
ومنها غاز Zyklon B الذي استخدم في معسكرات الاعتقال.
كما كانت شركة جون روكفلر النفطية تمد ألمانيا بالنفط… بقيمة وصلت إلى 20 مليون دولار.
بل إن الوثائق تشير إلى أن شركات أمريكية كانت تمول الطرفين المتحاربين… فالحرب عند البعض ليست قضية أخلاق… بل تجارة!
ومن أخطر الأمثلة: شركة الاتحاد المصرفي لمدينة نيويورك، التي دعمت هتلر ماليًا… وكانت مصرفًا لغسيل أموال النازية.
وعندما انكشف الأمر… استحوذت الحكومة عليها بتهمة انتهاك قانون التعامل مع العدو.
وكان مديرها هو: بريسكوت بوش… والد الرئيس الامريكى الاسبق بوش الأب… وجد بوش الابن.
والسؤال هنا كيف يمكن لدولة تقول إنها تحارب النازية… بينما بنوكها وشركاتها تمول النازية؟!
على الجبهة الأخرى… في جنوب شرق آسيا… كانت اليابان تسعى للتوسع من أجل السيطرة على الثروات الطبيعية، خصوصًا النفط.
واليابان كانت دولة فقيرة الموارد… وتبحث عن الوقود بأي ثمن.
وكانت أمريكا تمتلك قاعدة بحرية ضخمة في هاواي، بميناء يُعرف باسم: بيرل هاربور.
وهنا بدأت سياسة الاستفزاز… روزفلت قام بـ: فرض حظر اقتصادي على اليابان... وقف تصدير النفط الأمريكي إليها ... تجميد أصولها المالية ... الضغط عليها للانسحاب من الهند الصينية ... دعم الصين وبريطانيا ضدها.
وفي مذكرة لوزير الحرب الأمريكي هنري ستيمسون بتاريخ 25 نوفمبر 1941م… ذكر أن روزفلت ناقش معه سؤالًا واحدًا: "كيف نجعل اليابان تطلق الرصاصة الأولى؟"
نعم… الرصاصة الأولى… حتى تدخل أمريكا الحرب أمام العالم بمظهر الضحية لا المعتدي.
بل وقبل الهجوم بثلاثة أيام… وصلت تحذيرات استخباراتية عن تحرك قوة يابانية تجاه بيرل هاربور… لكن التحذيرات تم تجاهلها!
وفي 7 ديسمبر 1941م… هاجمت اليابان بيرل هاربور… وقُتل ما يقارب 2400 جندي أمريكي كما تدعى امريكا.
وهنا انقلب كل شيء… قبل الهجوم… 83% من الأمريكيين كانوا ضد الحرب… وبعد الهجوم… تطوع مليون أمريكي فورًا!
والسؤال هل كانت بيرل هاربور ضربة مفاجئة؟ أم كانت الضربة التي انتظرتها أمريكا لتفتح أبواب الحرب؟
بعد بيرل هاربور… كان المتوقع أن تتجه أمريكا مباشرة نحو اليابان… لكن روزفلت أقنع الشعب أن الخطر الأكبر هو ألمانيا.
وصُوّرت الحرب وكأنها معركة وجود ضد هتلر.
فتم توجيه: 90% من قوة أمريكا العسكرية ضد ألمانيا .. و10% فقط ضد اليابان
والسؤال : لماذا هذا الترتيب؟ هل لأن ألمانيا كانت تهدد أوروبا… أم لأن أوروبا كانت مركز المصالح الأمريكية؟
خلال الحرب… تورطت أمريكا في عمليات قصف مدمرة ضد مدن ألمانية… من أشهرها قصف مدينة درسدن
حيث سقط عشرات الآلاف من المدنيين.
وفي نفس الوقت… تطورت التكنولوجيا العسكرية الأمريكية بشكل مذهل… حتى وصلت إلى أخطر سلاح عرفته البشرية: القنبلة النووية.
ثم نجحت أمريكا في كسر الشفرة اليابانية…وأصبحت تحركات اليابان مكشوفة بالكامل.
وفي النهاية… قررت أمريكا إنهاء الحرب بأقسى ضربة ممكنة… في 6 أغسطس 1945… ألقت القنبلة النووية الأولى على هيروشيما… وكان اسمها الحركي: "الولد الصغير".
وبعد ثلاثة أيام… ألقت القنبلة الثانية على ناجازاكي… واسمها: "الولد السمين".
وانتهت اليابان… واستسلمت.
فهل كان إسقاط القنبلة النووية ضرورة عسكرية؟ أم رسالة أمريكية للعالم… أن من يحكم الأرض بعد الحرب… هي الولايات المتحدة؟
الحرب العالمية الثانية كانت كارثة إنسانية واقتصادية وسياسية.
أولاً: النتائج البشرية
أسفرت الحرب عن أكثر من 80 مليون قتيل
خصوصًا في ألمانيا والاتحاد السوفيتي واليابان.
وكان لذلك آثار ديموغرافية خطيرة مثل: انخفاض الولادات، ... شيخوخة المجتمع ، .. نقص اليد العاملة
ثانيًا: النتائج الاقتصادية
تم تدمير البنية التحتية لأوروبا… وانخفض الإنتاج الصناعي والزراعي بأكثر من 50%.
كما اضطرت الدول الأوروبية للاقتراض… فارتفعت المديونية والأسعار… وتراجع مستوى المعيشة.
ثالثًا: النتائج السياسية
أعادت الحرب رسم خريطة العالم... وعُقد مؤتمر يالطا 1945 لتقسيم النفوذ العالمي... ومن أهم النتائج: انضمام دول البلطيق للاتحاد السوفيتي .... توسع بولندا نحو بحر البلطيق .... تحول أوروبا الشرقية إلى الشيوعية .... تقسيم ألمانيا والنمسا إلى مناطق نفوذ ... تقسيم برلين إلى أربع مناطق .... تأسيس هيئة الأمم المتحدة عام 1945
والسؤال: هل كانت الحرب نهاية مأساة؟ أم كانت بداية عصر جديد… عنوانه: الحرب الباردة؟
إذاً الحرب العالمية الثانية… لم تكن مجرد حرب بين جيوش… بل كانت حربًا بين مشاريع سياسية واقتصادية…
وكانت فرصة تاريخية استثمرتها الولايات المتحدة بذكاء... دخلت أمريكا الحرب متأخرة… لكنها خرجت منها متقدمة على الجميع.
بينما أوروبا مدمرة… كانت أمريكا هي الدولة التي تملك المال والسلاح والنفوذ.
ومن هنا… بدأ القرن الأمريكي… وبدأت مرحلة جديدة… تحولت فيها الولايات المتحدة من دولة تبحث عن مصالحها… إلى دولة تقود العالم… وتقرر مصير الدول والشعوب.
والسؤال: هل كانت أمريكا منقذة للعالم؟ أم أنها كانت أكبر مستفيد من دمار العالم؟
وفي الحلقة القادمة… نتجول في حقل الالغام: العنوان: الولايات المتحدة الأمريكية وتبنّي مفهوم زعامة العالم والدخول الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتى

تم نسخ الرابط