ads
عاجل
الثلاثاء 14 يوليو 2026
رئيس التحرير
محمد الطوخي

تظل السلطة القضائية في كل دولة محترمة هي الحصن المنيع الذي يأوي إليه المظلوم، والملاذ الآمن الذي يلجأ إليه صاحب الحق إذا ضاقت به السبل، وعجز عن استرداد حقه بوسيلة أخرى. وهي بالنسبة للمواطن الأمن والأمان، والعدل والإنصاف، والميزان الذي يستوي أمامه الجميع دون تفرقة بين فرد وجماعة، أو بين حاكم ومحكوم، أو بين صاحب نفوذ ومواطن بسيط، فلا سلطان فوق سلطان القانون، ولا مكان أمام محراب العدالة إلا للحجة والدليل.
وقد سجل القضاء المصري عبر تاريخه الطويل صفحات مشرقة من النزاهة والشموخ والاستقلال، حتى أصبح أحد أعمدة الدولة المصرية الراسخة، ورمزًا من رموز هيبتها وقوتها. 

فلم تستطع سلطة، ولم تنجح جماعة، ولم تتمكن الظروف أو الضغوط، مهما اشتدت، من أن تطوع إرادته أو تُلين قناته أو تحيد به عن طريق الحق والعدل. 

ولذلك اكتسب القضاء المصري مكانته الرفيعة في نفوس المصريين، كما نال احترام العالم وتقديره، وأصبحت أحكامه عنوانًا للهيبة القانونية والرصانة القضائية.
والقضاء ليس مجرد سلطة من سلطات الدولة الثلاث، وإنما هو الحكم العادل والفصل الحاسم بين السلطات جميعًا، وإليه ترد الخصومات، وعنده تنتهي المنازعات، ومن خلال عدالته يستقر المجتمع، وتطمئن النفوس، ويشعر المواطن أن حقوقه مصونة لا تضيع، وأن القانون قادر على حمايته مهما كانت قوة خصمه أو نفوذه.
ولذلك كانت قوة الدول تقاس بقدر احترامها لقضائها، وبمدى التزامها بتنفيذ أحكامه وصيانة هيبته. 

فالدولة التي يحظى قضاؤها بالاحترام هي دولة قادرة على تجاوز الأزمات، والصمود أمام العواصف، واستعادة قوتها مهما تكالبت عليها التحديات؛ لأن العدل هو أساس العمران، والقضاء العادل هو الضمانة الحقيقية لبقاء الأوطان واستقرارها.
ومن هنا، يجب أن يظل القضاء في مكانته السامية، بعيدًا عن التجاذبات والصراعات والمهاترات، وأن يبقى ذلك البرج الشامخ الذي لا تمتد إليه يد العبث، ولا تطاله سهام التشكيك، ولا يُسمح لأحد ــ أيًا كان موقعه أو مكانته أو حجم تأثيره ــ أن ينال من هيبته أو يسيء إلى أحكامه تصريحًا أو تلميحًا. فالمؤسسات الكبرى لا تُهدم غالبًا بضربة واحدة، وإنما يبدأ هدمها حين تُنتزع هيبتها من قلوب الناس وعقولهم، عبر كلمة عابرة هنا، أو تشكيك مقصود هناك، حتى تتآكل الثقة فيها شيئًا فشيئًا.
وتزداد خطورة هذا المسلك إذا صدر عن أشخاص يمتلكون المنابر المؤثرة، ويخاطبون الرأي العام، ويملكون القدرة على تشكيل وعي الجماهير وتوجيه أفكارهم؛ لأن الكلمة الصادرة عن أصحاب الأصوات المسموعة لا تقف عند حدود الرأي الشخصي، وإنما تتحول إلى رسالة عامة قد تزعزع الثقة في إحدى أهم مؤسسات الدولة وأخطرها أثرًا في استقرار المجتمع.
ومن هذا المنطلق، جاءت الصدمة التي أحدثها الحوار الذي دار بين إعلاميين معروفين في أحد البرامج الفضائية، أثناء تعليقهما على حكم قضائي صادر بحق وزيرة الثقافة، حيث بدا من حديثهما اعتراض واضح وصريح على حكم بات ونهائي صدر عن أعلى جهة قضائية في البلاد بعد أن استنفد درجات التقاضي المقررة قانونًا، الأمر الذي أثار استغرابًا واسعًا في الأوساط المجتمعية؛ لما انطوى عليه من جرأة غير معهودة في تناول أحكام القضاء النهائية.
وتزداد خطورة الموقف إذا علمنا أن ما قيل لم يكن وليد انفعال عابر أو زلة لسان طارئة، وإنما جاء في سياق برنامج معد سلفًا، ومخطط لمحاوره، ومعلوم موضوعه مسبقًا، الأمر الذي يجعل الحديث أقرب إلى الموقف المقصود منه إلى الخطأ العفوي الذي يمكن تجاوزه أو التغاضي عنه.
ولما أعلن نادي القضاة تمسكه بحقه القانوني، واتخاذ الإجراءات التي تحفظ للقضاء هيبته وكرامته من خلال بلاغ مقدم إلى النائب العام، سارع الإعلاميان إلى إصدار بيانات اعتذار عما بدر منهما، كما أُعلن عن عزمهما التوجه إلى نادي القضاة لتقديم الاعتذار بصورة مباشرة.
ولا خلاف على أن الاعتذار خلق كريم، والرجوع إلى الحق فضيلة محمودة، غير أن القضية في مثل هذه الحالات تتجاوز الأشخاص إلى ما هو أبعد من ذلك؛ لأن الإساءة إلى القضاء ليست إساءة إلى هيئة أو أفراد، وإنما هي إساءة إلى الدولة ذاتها وإلى المجتمع بأسره، وإلى كل مواطن يرى في القضاء حصنه الأخير وملاذه الآمن.

 كما أن التشكيك في الأحكام القضائية النهائية أو الانتقاص من هيبة القضاء من شأنه أن يزعزع ثقة الناس في العدالة، ويهز الشعور بالأمن القانوني الذي يقوم عليه استقرار المجتمعات وسلامها.
ومن ثم فإن حماية القضاء ليست مسؤولية القضاة وحدهم، بل هي واجب وطني يشارك فيه الجميع؛ لأن هيبة القضاء من هيبة الدولة، واحترام أحكامه من احترام القانون، وصيانة مكانته من صيانة الوطن نفسه.

 وإذا كان الحق الشخصي يقبل التنازل والعفو، فإن حق المجتمع في حماية مؤسساته الكبرى، وصون الثقة العامة فيها، يظل حقًا قائمًا لا يسقط بالتسامح الفردي ولا ينتهي بالاعتذار الشخصي.
إن القضاء العادل هو آخر القلاع التي تتحصن بها الأمم، فإذا بقي شامخًا بقيت الدولة قوية منيعة، وإذا وهنت هيبته تزعزعت أركان المجتمع واهتز ميزان العدالة فيه. ولذلك سيظل القضاء المصري، كما كان عبر تاريخه الطويل، رمزًا للشموخ والاستقلال، وراية للعدل، وسيفًا للحق، وركنًا أصيلًا من أركان الدولة المصرية الحديثة.

تم نسخ الرابط