جاءت توصية اللجنة التي شكَّلها رئيس الجامعة آنذاك لدراسة طلب مجلس قسم الصحافة والإعلام بتحويل القسم إلى كلية بمثابة صدمة مدوِّية لأبناء القسم؛ إذ لم تكتفِ اللجنة برفض الطلب، بل أوصت بإلغاء القسم من الأساس، وإنشاء معهد عالٍ للإعلام تكون مدة الدراسة فيه عامين فقط، يمنح دبلومًا في الإعلام، ويُفتح باب الالتحاق به لخريجي الكليات النظرية بالجامعة.
وكان لهذا المقترح وقعٌ قاسٍ على نفوس الزملاء؛ فبعد أن كانت الآمال معلقة على الارتقاء بالقسم إلى كلية مستقلة، أصبح الحديث يدور حول إلغائه واستبداله بمعهد لا يهدف إلى إعداد إعلاميين محترفين قادرين على أداء الرسالة التي أُنشئ القسم من أجلها. والأعجب من ذلك أن رئيس الجامعة في ذلك الوقت بدا مقتنعًا بالمقترح ومتحمسًا لتنفيذه، بل شرع بالفعل في اتخاذ بعض الإجراءات التي تمهد لوضعه موضع التنفيذ.
عندها هبَّ أبناء القسم للدفاع عن كيانهم ومستقبلهم العلمي. وكانت المفارقة أن معظمهم لم يكونوا يومئذٍ سوى أعضاء في الهيئة المعاونة من المعيدين والمدرسين المساعدين، بما يعني محدودية نفوذهم وضعف أدواتهم مقارنة بمن كانوا يواجهونهم.
ومع ذلك خاضوا معركة شرسة دفاعًا عن قسمهم، غير عابئين بما تعرضوا له من ضغوط وتهديدات مست مستقبلهم العلمي والوظيفي.
وقد ازداد الأمر تعقيدًا حين كان رئيس القسم نفسه أحد أعضاء اللجنة وصاحب المقترح الذي عُدَّ من أكثر المقترحات إثارة للجدل في تاريخ الجامعة. وتعرض عدد من المعترضين للتحقيقات الإدارية، إلا أن ذلك كله لم يفت في عضدهم، ولم يثنهم عن مواصلة الدفاع عن قضيتهم.
لجأ الزملاء إلى مختلف وسائل الإعلام، وكتبوا وتحدثوا في الصحف والبرامج، حتى نجحوا في تكوين رأي عام متعاطف مع قضيتهم. كما رفعوا مذكراتهم وشكاواهم إلى الجهات الرسمية المختصة، ووصلت القضية إلى مستويات رفيعة شملت رؤساء مجلس الشعب وعددًا من الوزراء والمسؤولين المعنيين.
وأذكر من بين هذه الكوكبة التي خاضت المعركة بشجاعة وإصرار دفاعًا عن القسم: الأساتذة الدكاترة محمود عبد العاطي، وعبد الصبور فاضل، وعبد العظيم خضر، وحمدي طه، ورشدي البدري، وأحمد منصور هيبة، وسيد عفيفي، وشعيب الغباشي، ومحمد عبد العظيم، وغيرهم من أبناء القسم المخلصين.
وبحكم الزمالة التي جمعتني بكثير منهم في المدينة الجامعية ثم بعد ذلك داخل الكلية، فقد تعاطفت مع موقفهم، وعندما أجرت معي بعض الصحف حوارات حول القضية أبديت رأيي بصراحة، ووجهت نقدًا واضحًا للمقترح وللقائمين عليه. وما إن نُشر ذلك حتى طلب عميد الكلية – تنفيذًا لتوجيهات رئيس الجامعة آنذاك – مني ومن كل من أعلن تضامنه مع زملائنا في قسم الإعلام الامتناع عن الحديث في هذا الموضوع، ولا سيما عبر وسائل الإعلام، وإلا تعرضنا للتحقيق.
وظلت القضية بين شد وجذب حتى تولى رئاسة الجامعة فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم، الذي كان يدرك أهمية الإعلام الأزهري ودوره في خدمة رسالة الأزهر وحضوره في الساحة الإعلامية. فكان من أول قراراته إلغاء هذا المقترح وإغلاق الملف نهائيًا، لينتهي بذلك أحد أكثر الفصول إثارة في تاريخ القسم.
غير أن حلم تحويل القسم إلى كلية لم يغادر عقول أبناء الإعلام، وبخاصة أولئك الذين خاضوا معركة الدفاع عنه. وظلت الفكرة حية في وجدانهم سنوات طويلة، حتى سنحت الفرصة التاريخية عقب ثورة يناير 2011م، فعادوا للمطالبة بحقهم المشروع. وكانت قيادة الجامعة آنذاك أكثر إدراكًا لحاجة الأزهر إلى كلية متخصصة في الإعلام، فصدر قرار مجلس الجامعة بالموافقة على تحويل القسم إلى كلية مستقلة، على أن يكون مقرها بمدينة نصر في موقعها الحالي.
وقد مثَّل هذا القرار محطة فارقة في تاريخ الإعلام الأكاديمي بجامعة الأزهر، ونقطة تحول مهمة في مسيرته العلمية والمهنية.
وكان أول من تولى عمادة الكلية الأستاذ الدكتور عبد الصبور فاضل، الذي يُعد بحق العميد المؤسس للكلية. وقد بذل مع زملائه جهودًا كبيرة من أجل أن يصبح المبنى والمعنى على قدر المكانة التي تستحقها كلية إعلام في جامعة بحجم الأزهر الشريف. وظل يقود الكلية ثماني سنوات من العمل الدؤوب والعطاء المخلص، متعاونًا مع وكيلي الكلية الأستاذ الدكتور عرفة عامر، ثم الأستاذ الدكتور أحمد زارع، حتى بلغا السن القانونية.
وبعد خروجهما من مواقع القيادة واجهت الكلية تحديًا جديدًا تمثل في عدم وجود أستاذ من أبنائها تتوافر فيه شروط تولي العمادة. وكان على قيادة الجامعة أن تبحث عن شخصية من خارج الكلية، تجمع بين الكفاءة العلمية والقدرة الإدارية، وتحظى في الوقت نفسه بقبول أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة، حتى تتمكن من قيادة الكلية بحكمة وتوافق، وإنجاز ما تتطلبه المرحلة من مهام ومسؤوليات.
وبعد مشاورات وتقديرات دقيقة بين رئيس الجامعة آنذاك الأستاذ الدكتور محمد المحرصاوي ونائبه لشؤون التعليم والطلاب الأستاذ الدكتور يوسف عامر، جرى ما يشبه استطلاعًا غير معلن لآراء أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة حول شخصية بعينها، فكان التوافق عليها واسعًا، وانتهى الأمر بصدور القرار بتوليها عمادة الكلية.
فمن هي هذه الشخصية؟ وكيف جرى هذا التوافق؟ وما أبرز ما حققته من إنجازات خلال فترة قيادتها للكلية؟
ذلك ما سنتناوله في المقال القادم بإذن الله.
