دعمًا للذاكرة الوطنية: رئيس الوزراء يتفقد الجمعية الجغرافية المصرية ويؤكد أهمية صون تراثها
في إطار اهتمام الدولة بحماية الذاكرة الوطنية والتاريخ العلمي، أجرى الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، صباح اليوم جولة تفقدية داخل مقر الجمعية الجغرافية المصرية بالقاهرة، وهي المؤسسة التي تعد واحدة من أعرق الجمعيات العلمية على مستوى العالم منذ تأسيسها عام 1875. رافقه خلال الجولة وزراء الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والثقافة، ورئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، بالإضافة إلى ممثلين عن جهات سيادية وأكاديمية معنية.

أعرب رئيس الوزراء عن تقديره للقيمة التاريخية والمعمارية للمبنى الذي سجل كأثر عام 1992، مؤكداً أن الجمعية ليست مجرد مقر إداري، بل هي شاهد حي على محطات مفصلية في التاريخ المصري المعاصر، ومعلناً عن دعمه الكامل لمشاريع التوثيق والرقمنة التي تتبناها الجمعية لضمان بقاء هذا الإرث للأجيال القادمة، خاصة فيما يتعلق بآلاف الخرائط والمخطوطات النادرة التي تحتضنها مكتبتها ومتاحفها المتخصصة.
التكنولوجيا في خدمة التاريخ: منصة "تراث مصر الرقمي"
شهدت الجولة إعلان المهندس رأفت هندي، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، عن تفاصيل بروتوكول التعاون الهادف لرقمنة مقتنيات الجمعية، حيث تهدف منصة "تراث مصر الرقمي" إلى حصر وإتاحة الكتب والدوريات والرسائل الجامعية والخرائط التاريخية إلكترونياً. تسعى هذه الخطوة إلى تعزيز الربط بين الأجيال وإتاحة المحتوى الثقافي للباحثين والمؤسسات الأكاديمية محلياً ودولياً، مما يضع التراث المصري في قالب تقني عصري يضمن سلامته واستدامته.
أكد الوزير أن التراث الثقافي يمثل أحد أهم روافد القوة الناعمة لمصر، وأن رقمنة هذا التراث تأتي ضمن محاور "بناء مصر الرقمية"، لضمان عدم تعرض المقتنيات النادرة لأي تلف ناتج عن التقادم أو عوامل الزمن، مع توفير آليات بحثية متطورة تساعد المؤرخين والجغرافيين في الوصول إلى الوثائق الأصلية التي توثق الاكتشافات الجغرافية وعلاقات مصر الدولية على مدار القرنين الماضيين.
كنوز الجمعية: من المتحف الإثنوغرافي إلى بانوراما قناة السويس
تضمنت الجولة تفقد قاعات فريدة تعكس التنوع المعرفي للجمعية، بدءاً من المتحف الإثنوغرافي الذي يوثق ثقافات الشعوب، وصولاً إلى قاعة "دايوراما" قناة السويس التي تجسد مراسم الافتتاح التاريخية في عهد الخديوي إسماعيل. كما اطلع رئيس الوزراء على المكتبة الكارتوجرافية التي تضم آلاف الخرائط والأطالس النادرة، بالإضافة إلى قاعة أفريقيا التي توثق بعثات الاستكشاف لمنابع النيل، وقاعات الحرف والصناعات التقليدية التي توثق تطور المجتمع المصري.
أوضحت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، أن الوزارة تعمل بالتوازي مع الجمعية على إبراز هذه المقتنيات الفريدة، باعتبارها جزءاً أصيلاً من الذاكرة الوطنية. وأشارت إلى أن هذه المؤسسة ليست مجرد كيان بحثي، بل هي منارة للمعرفة والتنوير، لافتةً إلى أهمية التعاون بين الجهات الثقافية والبحثية لتقديم هذا الإرث العلمي للجمهور بشكل لائق وتفاعلي يواكب التطور في علوم المتاحف.
عرض تفصيلي: ثروة علمية تتجاوز 40 ألف مجلد ومخطوطة نادرة
قدم الدكتور إسماعيل يوسف، الأمين العام للجمعية، عرضاً تفصيلياً كشف فيه عن مقتنيات الجمعية التي تعد ثروة قومية، حيث تضم المكتبة نحو 40 ألف مجلد، و13 ألف خريطة تاريخية، وأكثر من 600 أطلس نادر. كما أشار إلى وجود مذكرات أصلية لرحالة عالميين مثل "صموئيل بيكر" و"ريتشارد بيرتون"، بالإضافة إلى مخطوطات إسلامية في الجغرافيا والفلك تعود للعصر الذهبي للحضارة الإسلامية، مما يجعلها مرجعاً لا غنى عنه للباحثين والمؤرخين.
من جانبه، استعرض الدكتور محمد زكي السديمي، رئيس مجلس إدارة الجمعية، الإنجازات الدولية للجمعية كعضو مؤسس في الاتحاد الجغرافي الدولي، مشيراً إلى نجاح الجمعية في عقد مؤتمر دولي عام 2025 بمشاركة 600 باحث من 36 دولة. وأكد السديمي أن الجمعية أطلقت مشاريع طموحة للرقمنة، حيث تم الانتهاء من رقمنة 70 ألف صفحة من مجلة الجمعية الصادرة منذ عام 1875، وترميم 8 آلاف خريطة نادرة، مع استمرار العمل على تحديث القدرات البشرية في مجالات الاستشعار من البعد والتقنيات الجيومكانية.
تحديات المستقبل: رؤية شاملة للترميم والحفاظ على المبنى التاريخي
اختتمت الجولة باستعراض تحديات الترميم التي تواجه المبنى التاريخي للجمعية نتيجة عوامل الزمن والرطوبة، حيث أكد رئيس مجلس الإدارة على ضرورة الإسراع في تنفيذ مشروع ترميم شامل للأسقف والواجهات والعناصر الخشبية ذات القيمة التراثية. وتدرس الجمعية حالياً التنسيق مع عدة جهات وطنية ودولية لتوفير التمويل اللازم لهذا المشروع الذي يضمن استدامة هذا الصرح العلمي.
تأتي هذه الجهود في إطار رؤية الدولة المصرية للاهتمام بالمنشآت التراثية، حيث تسعى الجمعية الجغرافية إلى إعادة تأهيل مكتباتها ومتاحفها لتتوافق مع أحدث النظم العالمية، مما يضمن ليس فقط حماية المقتنيات من التلف، بل أيضاً تعزيز دور الجمعية كوجهة ثقافية وعلمية تستقبل الوفود البحثية والطلاب من مختلف أنحاء العالم، لتظل دائماً في صدارة المؤسسات المرجعية في مصر والمنطقة.