ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

أكثر من نصف السفارات الأمريكية حول العالم بدون سفراء.. ما هي التداعيات؟

دونالد ترامب - الرئيس
دونالد ترامب - الرئيس الأمريكى

تواجه الولايات المتحدة الأمريكية أزمة دبلوماسية غير مسبوقة تضع قوتها الناعمة وتأثيرها الدولي على المحك، حيث أفادت رابطة السلك الدبلوماسي الأمريكي أن قرابة 2000 دبلوماسي قد غادروا مناصبهم خلال العام الماضي نتيجة عمليات تسريح أو تقاعد إجباري، وهو الأمر الذي تزامن مع تصاعد حاد في أزمات السياسة الخارجية، ليترك أكثر من نصف السفارات الأمريكية حول العالم بلا سفراء معتمدين، مما أثار حالة من القلق لدى مراقبي الشأن الدولي.

كشفت مقابلات أجرتها شبكة "NBC" مع أكثر من 12 مسؤولاً دبلوماسياً حالياً وسابقاً، عن تفاصيل هذا التراجع الدبلوماسي الخطير الذي تمر به واشنطن، حيث أشار هؤلاء المسؤولون إلى أن إدارة الرئيس ترامب تتعمد تجاهل غياب كبار موظفي السلك الدبلوماسي عن طاولات المفاوضات رفيعة المستوى، لا سيما في ملفات شائكة مثل الملف الروسي والشرق الأوسط، في ظل معاناة مساعدي الرئيس مع الحلفاء والخصوم على حد سواء.

التداعيات الميدانية: شلل في المواقع الاستراتيجية

تسبب قرار استبعاد كبار ضباط السلك الدبلوماسي من المناصب القيادية العليا في حدوث فراغ إداري في ما يقارب مئة سفارة أمريكية حول العالم، مما يضع الولايات المتحدة في وضع حرج للغاية، خاصة في ظل وجود نقاط توتر ملتهبة؛ فعلى سبيل المثال، يظل منصب سفير واشنطن لدى مولدوفا شاغراً، وكذلك الحال في أوكرانيا التي تُعد محور الصراع الأمني الحالي في أوروبا، بالإضافة إلى خلو منصب السفير في الكونغو الديمقراطية رغم تفشي وباء الإيبولا هناك.

لا يختلف الحال كثيراً في منطقة الشرق الأوسط، حيث تشهد المنطقة حالة من الغليان في ظل التوترات مع إيران وتداعياتها الإقليمية، إذ كشف التقرير أن نصف البعثات الدبلوماسية الأمريكية في المنطقة تفتقر إلى وجود سفراء رسميين، وهو ما يعيق جهود التواصل الاستراتيجي ويضعف قدرة واشنطن على إدارة الأزمات الحساسة بفاعلية، في وقت كان يُفترض فيه أن تكون القنوات الدبلوماسية في أقصى درجات كفاءتها.

تهميش الخبراء: صراع بين الدبلوماسية التقليدية والمقاربات الشخصية

على عكس الإدارات الأمريكية السابقة التي اعتمدت على كوادر الخارجية المحترفين، شهدت المفاوضات الحساسة في عهد إدارة ترامب غياباً تاماً لكبار السلك الدبلوماسي، حيث أوكلت الإدارة مهمة قيادة المناقشات حول ملفات عالمية شائكة مثل الحرب الأوكرانية والملف الإيراني لأشخاص من خارج السلك الدبلوماسي التقليدي، مثل جاريد كوشنر، صهر الرئيس، أو صديقه المقرب ستيف ويتكوف، وهو رجل أعمال لا يملك أي خبرة دبلوماسية سابقة.

يرى ثلاثة دبلوماسيين رفيعي المستوى في تصريحاتهم لـ "NBC" أن إدارة ترامب تتعمد تهميش الخبراء المتخصصين لأنها لا ترغب في وجود أي أصوات تشكك في قراراتها، مما يعمق الفجوة بين المؤسسة الدبلوماسية التقليدية والقرارات السياسية المتخذة في البيت الأبيض، وفي المقابل، حاول المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، تومي بيجوت، التقليل من هذه الانتقادات قائلاً إن الوزارة تعتمد على كفاءة وخبرة موظفي السلك الدبلوماسي والخدمة المدنية على حد سواء.

وضع حرج: مستقبل التأثير الأمريكي في النظام الدولي

يرى المراقبون أن رحيل هذه الأعداد الكبيرة من القوة العاملة التي كانت قوامها يتجاوز 13 ألف دبلوماسي وموظف في عام 2024، يعد بمثابة "نزيف للكفاءات" يصعب تعويضه في الأمد القريب، حيث أن الدبلوماسية هي علم تراكمي يعتمد على العلاقات الشخصية والخبرة الميدانية، وعندما يغادر هؤلاء الخبراء، فإنهم يأخذون معهم عقوداً من المعرفة الاستراتيجية التي كانت تضمن استقرار السياسة الخارجية الأمريكية وتمنع الانزلاق نحو الصدامات الكبرى.

في الختام، يمثل الفراغ الدبلوماسي الذي تعيشه واشنطن حالياً تحدياً هيكلياً يهدد ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية، إذ أن غياب السفراء الرسميين لا يعني فقط تعطل المصالح الثنائية، بل يضعف أيضاً القدرة على استشراف الأزمات قبل وقوعها، ويترك المجال مفتوحاً لتقديرات غير متخصصة قد تؤدي إلى تداعيات سلبية على الأمن القومي الأمريكي ومكانة الولايات المتحدة كلاعب رئيسي في النظام الدولي المضطرب.

تم نسخ الرابط