ads
الجمعة 05 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

مشهدٌ معقّدٌ متعددُ الإشكاليات، بدأت ملامحه تتضح لنجد أنفسنا أمام حربٍ اقتصادية تُدار بذَرائع أمنية، ستكون نتائجها وخيمة على العالم أجمع. وقد أكدت الساعات الماضية فشل مفاوضات الـ21 ساعة في إسلام آباد، مع عودة واشنطن إلى استخدام القوة العسكرية عبر حصار موانئ طهران.

هذا الحصار المائي ليس الأول تاريخيًا، بل له محطات بارزة لا تُنسى؛ أولها الحصار القاري على بريطانيا الذي فرضه نابليون بونابرت في الفترة من 1806 إلى 1814، وثانيها حصار الولايات الشمالية للولايات الجنوبية خلال الحرب الأهلية الأمريكية عام 1865، وثالثها الحصار البحري البريطاني على ألمانيا في الفترة من 1914 إلى 1919، ورابعها الحصار البحري الأمريكي على المنافذ التجارية لليابان عام 1945 خلال الحرب العالمية الثانية، والذي حقق نجاحًا ساحقًا، وعُرف باسم “عملية التجويع” (Operation Starvation)، وصُنِّف عسكريًا كأحد أنجح حملات الحصار في التاريخ الحديث، إذ كان من أبرز نتائجه انهيار الاقتصاد الياباني.

أما المحطة الخامسة، فهي الحصار الحالي الذي تمارسه الولايات المتحدة تجاه إيران، بهدف خنقها اقتصاديًا، حيث تمثل الألغام أحد أدواته، في مشهد يتشابه إلى حد كبير مع الاستراتيجية المستخدمة في “عملية التجويع”، ما يطرح تساؤلًا رئيسيًا: هل تكرر واشنطن هذه العملية من جديد؟

وفي خضم هذا المشهد المعقّد، تتشكل السيناريوهات المستقبلية. في تقديري، يتمثل السيناريو الأول في استخدام واشنطن الحصار كأداة ضغط على طهران، لدفعها مجددًا إلى طاولة المفاوضات، ولكن هذه المرة بشروط أمريكية أكثر تشددًا، خاصة فيما يتعلق بالتخلي عن الطموح النووي، بوصفه أحد أبرز المطالب.

وأرى أن طهران قد تعود بالفعل إلى طاولة المفاوضات، لكن من الضروري أن تتصدر كلٌّ من مصر وتركيا جهود الوساطة، بحثًا عن أرضية مشتركة تُقَرِّب وجهات النظر، وتُسهم في وقف التصعيد سريعًا.

أما السيناريو الثاني، والذي أستبعده وإن ظل مطروحًا، فيتمثل في اتجاه واشنطن إلى توجيه ضربات محدودة للممرات اللوجستية الإيرانية، بهدف استنزافها اقتصاديًا، مع الحفاظ على صورتها العسكرية، إلى جانب فرض ضغوط على شرق آسيا عبر تقليص إمدادات الطاقة، خاصة وأن بكين تُعد المستورد الأكبر للنفط الإيراني.

تعكس هذه الدلالات حالة الاضطراب التي تسيطر على المشهد، لا سيما في ظل إعلان كل طرف تحقيق الانتصار، ورفضه التراجع حفاظًا على صورته أمام الرأي العام الداخلي. ومن ثم، يصبح تدخل القوى الإقليمية أمرًا ضروريًا للبحث عن منطقة آمنة تُنهي هذا الصراع.

لقد كان الموقف المصري واضحًا وثابتًا، وسيظل رافضًا لهذه الحرب، إدراكًا لانعكاسات هذا الصدام على التوازن الإقليمي. كما شمل الرفض الاعتداءات الإيرانية الموجهة إلى الأشقاء في دول الخليج العربي، انطلاقًا من إيمان راسخ بأن الأمن القومي المصري جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي.

وفي كل الأحوال، ستواصل مصر دورها في توجيه النداء إلى أطراف الصراع، بضرورة العودة مجددًا إلى طاولة المفاوضات، وإنهاء الحصار، واحتواء الأزمة قبل تفاقمها.
[email protected]

تم نسخ الرابط