الأمم المتحدة: سوريا أمام فرصة تاريخية لبناء مؤسسات شاملة
أكدت الأمم المتحدة أن سوريا تقف أمام فرصة حقيقية لإطلاق مرحلة جديدة من بناء الدولة، لكنها شددت في الوقت ذاته على أن نجاح هذه المرحلة يظل مرهونًا بقدرة المؤسسات الوطنية على أن تكون شاملة ومستقلة وخاضعة للمساءلة، وقادرة على تلبية احتياجات جميع السوريين دون استثناء، في ظل استمرار التحديات الأمنية والسياسية والإنسانية التي تواجه البلاد.
وجاء ذلك خلال إحاطة قدمها كلاوديو كوردوني، نائب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، عبر تقنية الفيديو أمام اجتماع لمجلس الأمن الدولي، حيث استعرض آخر التطورات السياسية والمؤسسية والأمنية، مؤكدًا أن سوريا تمر بمرحلة انتقالية دقيقة تتطلب دعمًا دوليًا وجهودًا داخلية لضمان نجاحها.
تطورات دستورية تعزز مسار المرحلة الانتقالية
أشار المسؤول الأممي إلى أن الفترة الأخيرة شهدت تطورات مؤسسية وصفها بالمهمة، وفي مقدمتها إصدار الرئيس السوري أحمد الشرع قرارًا بتعيين أعضاء المحكمة الدستورية العليا، إلى جانب بدء مجلس الشعب السوري الجديد عقد جلساته الرسمية خلال الشهر الجاري.
وأوضح أن هاتين الخطوتين تمثلان محطتين بارزتين في تنفيذ بنود الإعلان الدستوري الصادر في مارس 2025، والذي وضع الإطار القانوني والسياسي لإدارة المرحلة الانتقالية في سوريا.
وأكد كوردوني أن نجاح المرحلة المقبلة لا يرتبط فقط بإنشاء المؤسسات، وإنما يعتمد بصورة أساسية على قدرتها على العمل باستقلالية تامة، بعيدًا عن أي تدخل من السلطة التنفيذية، بما يضمن تحقيق العدالة وسيادة القانون وترسيخ مبادئ الدولة الحديثة.
استقلال القضاء والبرلمان.. مفتاح الانتقال السياسي
وشدد نائب المبعوث الأممي على أن استقلال السلطتين التشريعية والقضائية يمثل حجر الأساس في أي عملية انتقال سياسي ناجحة، موضحًا أن وجود مؤسسات مستقلة يمنح المواطنين الثقة في الدولة، ويؤسس لمرحلة جديدة تقوم على الشفافية والمساءلة واحترام الحقوق.
وأكد أن العملية الانتقالية لن تكتسب المصداقية إلا إذا كانت شاملة لجميع مكونات المجتمع السوري، وتضمن مشاركة مختلف الأطياف السياسية والاجتماعية في صناعة القرار، بما يعزز الاستقرار على المدى الطويل.
وأضاف أن الأمم المتحدة ترى أن بناء المؤسسات يجب أن يسير بالتوازي مع إصلاحات قانونية وإدارية تعزز من كفاءة الدولة، وتعيد ثقة المواطنين في مؤسساتها بعد سنوات طويلة من الصراع.
الأمم المتحدة: المؤسسات يجب أن تخدم جميع السوريين
وأوضح كوردوني أن الهدف الأساسي لأي عملية إصلاح سياسي هو بناء مؤسسات وطنية قادرة على خدمة جميع السوريين دون تمييز، سواء في تقديم الخدمات الأساسية أو تحقيق العدالة أو إدارة الموارد العامة.
وأشار إلى أن المؤسسات الجديدة مطالبة بالاستجابة لتطلعات المواطنين في الأمن والاستقرار والتنمية، مع ضرورة ترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة الرشيدة، بما يضمن استدامة عملية الإصلاح.
كما أكد أن الأمم المتحدة ستواصل تقديم الدعم الفني والاستشاري لكل ما من شأنه إنجاح المرحلة الانتقالية، وتعزيز فرص التوصل إلى حل سياسي شامل للأزمة السورية.
تصعيد إسرائيلي يثير قلق الأمم المتحدة
وعلى الجانب الأمني، أعرب المسؤول الأممي عن قلق بالغ إزاء استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب سوريا، معتبرًا أن هذه التطورات تمثل تحديًا إضافيًا أمام جهود تثبيت الاستقرار.
وأوضح أن النشاط العسكري الإسرائيلي لم يتوقف، بل شمل عمليات توغل داخل الأراضي السورية، وقصفًا متكررًا، وتحليقًا مستمرًا للطائرات المسيّرة، إلى جانب فرض قيود على حركة المدنيين في محافظتي القنيطرة ودرعا.
وأشار إلى أن استمرار هذه العمليات يفاقم الأوضاع الإنسانية، ويؤثر بصورة مباشرة على المدنيين الذين يعيشون في المناطق الحدودية.
تفاصيل أحداث يونيو في جنوب سوريا
وتوقف كوردوني عند الأحداث التي شهدتها المنطقة يومي 27 و28 يونيو الماضي، والتي وصفها بأنها تثير قلقًا بالغًا.
وأوضح أن التقارير الواردة للأمم المتحدة أفادت بأن عناصر من الجيش الإسرائيلي قتلوا شخصين شرق خط وقف إطلاق النار، قبل تنفيذ عملية توغل بري داخل قرية عابدين.
وأضاف أن العملية العسكرية أدت إلى نزوح عدد من المدنيين من منازلهم، في حين انتشرت لاحقًا قوات الأمن السورية داخل المنطقة عقب انسحاب القوات الإسرائيلية.
وأكد أن هذه التطورات تؤكد هشاشة الوضع الأمني في جنوب سوريا، وتزيد من المخاوف بشأن احتمالات اتساع دائرة التوتر.
تداعيات أمنية وإنسانية متواصلة
وأشار المسؤول الأممي إلى أن استمرار العمليات العسكرية ينعكس بصورة مباشرة على الأوضاع الإنسانية، حيث يواجه السكان صعوبات متزايدة في التنقل والحصول على الخدمات الأساسية.
وأوضح أن تحليق الطائرات المسيّرة والقيود المفروضة على حركة المدنيين تؤثر في الحياة اليومية للسكان، وتزيد من معاناتهم في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية الصعبة التي تشهدها البلاد.
وأكد أن حماية المدنيين يجب أن تظل أولوية قصوى، داعيًا جميع الأطراف إلى احترام القانون الدولي الإنساني، وتجنب أي أعمال من شأنها تعريض المدنيين للخطر.
الأمم المتحدة تدعو إلى احترام القانون الدولي
وخلال الإحاطة، شددت الأمم المتحدة على ضرورة الالتزام الكامل بالقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، مؤكدة أن أي تصعيد عسكري من شأنه تعقيد جهود التسوية السياسية.
ودعت جميع الأطراف إلى ضبط النفس، والعمل على خفض التصعيد، وتهيئة الظروف المناسبة لإنجاح العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة.
وأكد كوردوني أن استمرار التوترات العسكرية لا يخدم فرص السلام، بل يهدد بتقويض المكاسب التي تحققت خلال الفترة الماضية على المستوى السياسي والمؤسسي.
مستقبل سوريا بين الإصلاح والتحديات
ويرى مراقبون أن التطورات الأخيرة تعكس مفترق طرق حقيقيًا بالنسبة لسوريا، فبينما تشهد البلاد خطوات مؤسسية جديدة تتمثل في تشكيل المحكمة الدستورية العليا وانطلاق أعمال مجلس الشعب، لا تزال التحديات الأمنية والعسكرية تمثل عقبة رئيسية أمام استكمال مسار الانتقال السياسي.
كما أن نجاح المرحلة المقبلة سيعتمد على قدرة المؤسسات الجديدة على أداء دورها باستقلالية، إلى جانب تحسين الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، واستعادة ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
هل تنجح المرحلة الانتقالية؟
تؤكد تصريحات الأمم المتحدة أن الفرصة لا تزال قائمة أمام سوريا لبدء مرحلة جديدة من الاستقرار وإعادة بناء الدولة، إلا أن نجاح هذه المرحلة يتطلب توافر عدة عوامل في مقدمتها استقلال المؤسسات، وتعزيز سيادة القانون، ووقف التصعيد العسكري، وحماية المدنيين، وإطلاق عملية سياسية شاملة تستوعب جميع مكونات المجتمع السوري.
وفي ظل استمرار التحديات الأمنية والسياسية، تبقى الأنظار متجهة إلى قدرة المؤسسات الجديدة على تحويل هذه الفرصة إلى واقع عملي، يفتح الباب أمام مستقبل أكثر استقرارًا، ويعيد لسوريا دورها الطبيعي بعد سنوات طويلة من الأزمات والصراعات.