ads
عاجل
الثلاثاء 23 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

في ذكرى رحيله الـ 15: أبو العينين شعيشع.. نقيب القراء الذي أسر القلوب بصوته

خلف الحدث

تمر اليوم الثلاثاء، الثالث والعشرين من يونيو، ذكرى رحيل قامة من قامات التلاوة المصرية والعالمية، الشيخ أبو العينين شعيشع، الذي غادر عالمنا في مثل هذا اليوم من عام 2011، تاركاً خلفه إرثاً قرآنياً خالداً.

يُعد الشيخ شعيشع أحد أبرز الأصوات التي أثرت المكتبة الإذاعية بتلاواتٍ فريدة، وهو الذي لُقب بـ "نقيب القراء" تقديراً لمسيرته الحافلة التي استمرت نحو ثمانين عاماً في خدمة كتاب الله.

ميلاد "ملك الصبا" وبدايات الحفظ في كفر الشيخ

وُلد الشيخ أبو العينين شعيشع في 12 أغسطس 1922 بمدينة بيلا التابعة لمحافظة كفر الشيخ، وكان الابن الثاني عشر في ترتيب إخوته، حيث بدأ مسيرته التعليمية القرآنية في الكُتَّاب في سن السادسة.

تميز في طفولته بقدرة فائقة على حفظ وتجويد القرآن الكريم، مما دفع ناظر مدرسته الابتدائية لتشجيع والدته على إلحاقه بأحد علماء القراءات، لتبدأ رحلته في الصعود نحو النجومية منذ سن مبكرة.

الانطلاقة الإذاعية والشهرة في سن الرابعة عشرة

التحق الشيخ أبو العينين شعيشع بالإذاعة المصرية في عام 1939، حيث كان متأثراً بشدة بالشيخ محمد رفعت، وجمعت بينهما علاقة إنسانية وفنية وطيدة جعلت الإذاعة تستعين به لإصلاح بعض تسجيلات الشيخ رفعت التالفة.

عاش الشيخ لحظة فارقة في عام 1936 بمدينة المنصورة، حينما وجد نفسه يقرأ أمام حشد ضخم يضم 4 آلاف شخص، ليخرج من هذه التجربة محمولاً على الأعناق وسط إعجاب وذهول الحاضرين بصوته الملائكي.

"ملك الصبا": سر الشجن في حنجرة الشيخ

اشتُهر الشيخ شعيشع بلقب "ملك الصبا"، وذلك بفضل قدرته الفائقة على أداء مقام الصبا الموسيقي الذي يبعث في النفس مشاعر الشجن والحزن الروحاني العميق.

يُرجع الشيخ هذا التأثير في صوته إلى حادث وفاة والده في سنوات شبابه الأولى، وهو الحزن الذي انعكس على أدائه القرآني، فجعل تلاوته قادرة على ملامسة شغاف القلوب وتدبر الآيات بقلبٍ خاشع.

سفير القرآن: أول قارئ مصري في المسجد الأقصى

كان للشيخ شعيشع دور ريادي عالمي، حيث كان أول قارئ مصري يتلو القرآن الكريم في رحاب المسجد الأقصى المبارك، وهو الحدث الذي رسخ مكانته كواحد من أهم سفراء القراء المصريين في العالم العربي والإسلامي.

سافر الشيخ إلى معظم دول العالم وقرأ في أشهر مساجدها، من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأموي في سوريا، مؤدياً رسالته السامية في نشر كتاب الله وإبهار المستمعين بجمال صوته وأدائه المتميز.

نقيب القراء والمناضل من أجل حقوق أهل التلاوة

لم تكن حياة الشيخ شعيشع مقتصرة على التلاوة فحسب، بل امتدت لتشمل العمل النقابي والإداري، حيث ساهم في السبعينيات مع كبار القراء في تأسيس نقابة القراء المصرية.

تُوجت جهوده بانتخابه نقيباً للقراء في عام 1988 خلفاً للشيخ عبد الباسط عبد الصمد، كما شغل عضوية المجلس الأعلى للشئون الإسلامية وعمل عميداً للمعهد الدولي لتحفيظ القرآن الكريم.

وفاء نادر وقصة حب لم تنتهِ برحيل الشريكة

عُرف الشيخ أبو العينين شعيشع بوفائه الاستثنائي لزوجته الراحلة الحاجة حسنات، حيث امتنع عن الزواج بعد وفاتها لمدة تقارب الخمسة عشر عاماً، رغم ما كان يتمتع به من مكانة اجتماعية وشهرة واسعة.

عندما سُئل في أحد اللقاءات عن سبب عزوفه عن الزواج، أجاب بصدقٍ عفوي: "أنا رجل مشاعري لم تسمح لي بالزواج بعد وفاة زوجتي وفاءً لها"، ليضرب بذلك نموذجاً نادراً في الإخلاص الإنساني.

إرث الوسطية والبساطة في الفكر الإسلامي

أشاد عدد كبير من كبار القراء بمسيرة الشيخ شعيشع، حيث وصفه الشيخ محمد محمود الطبلاوي بأنه من الأعلام الذين لا يُنسى فضلهم، مشيراً إلى أنه كان مثالاً للوسطية والبساطة وعفة اللسان.

رغم إصابته بمرض في صوته مطلع الستينيات، إلا أنه عاد بقوة إلى ساحة التلاوة ليشغل منصب قارئ مسجد عمر مكرم، ثم مسجد السيدة زينب، مواصلاً عطاءه حتى سنواته الأخيرة.

رحل الشيخ أبو العينين شعيشع في 23 يونيو 2011، عن عمر ناهز 89 عاماً، مخلفاً وراءه ثلاثة أبناء وذكرى لا تغيب، فهو الذي عاش ثمانية عقود يصدح بالقرآن في شتى بقاع الأرض.

تظل مدرسته في التلاوة مرجعاً لكل من يبحث عن الشجن الممزوج بالتدبر، ويظل لقبه "نقيب القراء" وساماً على صدره، ورمزاً لعصرٍ ذهبي للقراء المصريين الذين نشروا القراءة القرآنية في ربوع الأرض.

تم نسخ الرابط