ads
عاجل
الأحد 21 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

ما وراء الاتفاق المؤقت: كيف قرأت الصين تداعيات الحرب الإيرانية-الأمريكية؟

خلف الحدث

في أعقاب اندلاع الصراع في إيران وتداعياته التي استمرت لنحو أربعة أشهر، وجدت الصين نفسها أمام منعطف استراتيجي حساس واجهت فيه احتمالية سقوط نظام حليف في طهران، إلا أن توقيع الاتفاق المؤقت بين طهران وواشنطن فتح الباب أمام قراءات صينية واثقة تلمح إلى تراجع نسبي في فعالية القوة الأمريكية.

ترى الأوساط السياسية في بكين أن الحرب الأخيرة قد كشفت حدود النفوذ العسكري والسياسي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وهو ما سعت الصين لملئه من خلال تحركات دبلوماسية دؤوبة ومبادرات سلام أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ لترسيخ دور بلاده كفاعل دولي مسؤول وداعم للاستقرار.

دبلوماسية حذرة: كيف نجحت بكين في إدارة مصالحها المتناقضة؟

تبنت الصين طوال فترة الحرب نهجاً متوازناً للغاية، حيث أدانت التحركات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، وفي ذات الوقت واصلت عمليات شراء النفط الإيراني متجاهلة العقوبات الغربية، كل ذلك مع الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف المعنية بالنزاع، بما في ذلك الولايات المتحدة ودول الخليج.

هذا التوازن لم يمنع بكين من استغلال الزيارات الدبلوماسية رفيعة المستوى التي استضافتها خلال الأزمة، كأدوات لتعزيز رسالتها بأنها البديل الهادئ والمنطقي لسياسات المواجهة، حيث ساهمت هذه التحركات في ترسيخ صورتها كقوة عظمى تختار طريق الحلول السياسية والتفاوض بدلاً من الانخراط في الحروب والتدخلات العسكرية.

إشادة من ترامب ومكاسب استراتيجية: صدى الحرب في الأروقة الدولية

لم تكن الإشادة بالموقف الصيني مقتصرة على الداخل، بل امتدت لتشمل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أشاد بحياد الصين خلال الحرب، معتبراً أن الزعيم الصيني شي جين بينغ لم يستخدم ثقله البحري لتحدي الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية، بل ساهم بشكل غير مباشر في التمهيد للحل.

بالنسبة للباحثين والمحللين الصينيين، لم تكن المكاسب مقتصرة على الدبلوماسية، بل امتدت لتشمل "التخطيط الاستراتيجي" للصين في مواجهة صدمات الطاقة، وإثبات جاذبية مسار التنمية الذي تتبعه بكين، وهو ما استخدمه المعلقون الصينيون للترويج لقدرة الصين على التفوق في إدارة الأزمات الكبرى.

صدى الصراع الإيراني على ملف تايوان: دروس استراتيجية لبكين

أثار صراع إيران نقاشات حادة في الأوساط الفكرية الصينية حول حدود القوة الأمريكية، حيث ربط معلقون سياسيون صينيون بين نتائج الحرب وبين ملف تايوان، مشيرين إلى أن نقص الذخائر الأمريكية وعدم قدرة واشنطن على تشكيل تحالف غربي متماسك في الأزمة الإيرانية يعطي دلالات هامة حول احتمالية تدخل واشنطن في أي صراع محتمل حول تايوان.

هذه القراءة الاستراتيجية تهدف إلى بعث رسائل قوية للحلفاء الأوروبيين بأن التبعية للسياسات الأمريكية لم تعد خياراً آمناً، وتؤكد أن الصين قد بدأت في استخلاص دروس قاسية من واقع الحرب في الشرق الأوسط لتعزيز موقفها الاستراتيجي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مع استبعاد التراجع الصيني عن مطالبها التاريخية بشأن ضم تايوان.

هل تبحث الصين عن عرش الهيمنة الدولية؟ رؤية الواقع

على الرغم من التقدم الصيني الملحوظ، يشدد خبراء صينيون مثل سون تشنغهاو، الباحث بمركز الأمن والاستراتيجية الدولية بجامعة تسينغهوا، على أن بكين لا تسعى بالضرورة لتكرار النموذج الأمريكي في ممارسة القوة، مؤكدين أن الولايات المتحدة لا تزال الفاعل الخارجي الأقوى والأكثر تأثيراً في الشرق الأوسط حتى اللحظة.

تدرك الصين جيداً أن المكانة الدولية تتطلب تكاليف سياسية وعسكرية هائلة، ولذا فإن استراتيجيتها تركز على كسب القلوب والعقول عبر الرؤية الصينية القائمة على عدم التدخل والتنمية، مع ضمان استمرار المصداقية من خلال تقديم حلول عملية للطاقة وتسهيل خفض التصعيد بدلاً من الاكتفاء بانتقاد السياسات الغربية فقط.

آفاق المرحلة المقبلة: التحديات أمام الطموح الدبلوماسي الصيني

مع دخول الاتفاق الإيراني-الأمريكي حيز المفاوضات النهائية لمدة 60 يوماً، يظل الاختبار الحقيقي للصين هو قدرتها على الحفاظ على هذا الزخم الدبلوماسي، حيث يتطلب "فجر السلام" الذي تحدث عنه وزير الخارجية الصيني التزاماً حقيقياً من جميع الأطراف بإزالة العقبات وإنجاح التفاهمات السياسية بعيداً عن أشكال التدخل الخارجي.

تتجه الأنظار الآن إلى بكين لمعرفة ما إذا كانت ستلعب دوراً أكبر في المرحلة النهائية للمفاوضات، أم ستكتفي بدور "الوسيط الحذر" الذي يدير مصالحه الاقتصادية الكبرى، حيث يظل نجاح الصين في إحلال الاستقرار في مضيق هرمز أحد أهم مؤشرات نجاح دبلوماسيتها في إثبات أحقيتها كقوة عالمية عظمى قادرة على قيادة النظام الدولي.

تم نسخ الرابط