ads
الثلاثاء 23 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

«ما تاخدش الشغل معاك البيت».. استشاري يكشف سر الحفاظ على الصحة النفسية

خلف الحدث

 

أكد الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، أن الحفاظ على الاتزان النفسي في ظل ضغوط العمل اليومية أصبح ضرورة ملحّة وليس رفاهية، مشيرًا إلى أن طبيعة بعض المهن، وعلى رأسها مهنة الطب النفسي، تجعل أصحابها أكثر عرضة لما يُعرف بالاحتراق النفسي والإجهاد العاطفي نتيجة التفاعل المستمر مع مشكلات الآخرين.

وأوضح “هندي” خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامي أحمد دياب، ببرنامج «صباح البلد» المذاع على قناة صدى البلد، أن الطبيب النفسي تحديدًا يتعرض يوميًا لموجات متكررة من الضغوط نتيجة الاستماع إلى قصص إنسانية مؤلمة ومشكلات نفسية معقدة، وهو ما يجعله بحاجة دائمة إلى وسائل تفريغ نفسي وحماية ذاتية تحافظ على توازنه وقدرته على الاستمرار في العمل بكفاءة.

وأشار استشاري الصحة النفسية إلى أن أخطر ما يواجه العاملين في المجال الإنساني أو المهني بوجه عام هو ما يُعرف علميًا بـ"متلازمة الإجهاد الصدمي الثانوي"، موضحًا أن هذه الحالة تحدث عندما يتعرض الشخص بشكل غير مباشر لصدمات الآخرين ومعاناتهم اليومية، مما يؤدي إلى تراكم الضغوط النفسية بشكل تدريجي دون أن يشعر بها في البداية.

وأضاف أن استمرار هذا النوع من الضغوط دون تفريغ أو معالجة قد يقود إلى حالة من الإرهاق النفسي والعاطفي، وهو ما ينعكس على سلوك الفرد وصحته العامة وقدرته على التركيز واتخاذ القرار، مؤكدًا أن تجاهل هذه العلامات قد يؤدي إلى تفاقم الحالة وصولًا إلى مراحل أكثر خطورة.

ولفت “هندي” إلى أن اجتماع متلازمة الإجهاد الصدمي الثانوي مع ما يُعرف بالاحتراق النفسي أو “Burnout” يؤدي إلى حالة نفسية تُسمى “إرهاق التعاطف”، وهي حالة تجعل الشخص يشعر بإنهاك داخلي شديد نتيجة التفاعل المستمر مع مشاعر الآخرين، ما يؤدي إلى فقدان الطاقة النفسية تدريجيًا.

وأوضح أن أعراض هذه الحالة لا تقتصر على الجانب النفسي فقط، بل تمتد لتشمل مظاهر جسدية وسلوكية متعددة، من بينها صعوبة التركيز، وتراجع الأداء الوظيفي، والتقلبات المزاجية، والشعور بالإحباط والعجز، بالإضافة إلى اضطرابات النوم، وزيادة مستويات القلق، والصداع المتكرر، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى حدوث كوابيس مزعجة تؤثر على جودة النوم.

وشدد استشاري الصحة النفسية على أن الحل الأساسي للوقاية من هذه الحالات يبدأ من إدراك الإنسان لحدود طاقته النفسية وعدم تحميل نفسه فوق قدرته، موضحًا أن أهم خطوة للحفاظ على الصحة النفسية هي الفصل الواضح بين العمل والحياة الشخصية، وعدم السماح لضغوط العمل بالانتقال إلى داخل المنزل.

واستشهد “هندي” بعبارة مباشرة قالها خلال حديثه: “ما تاخدش الشغل معاك البيت”، مؤكدًا أن هذه الجملة ليست مجرد نصيحة عابرة، لكنها قاعدة أساسية للحفاظ على التوازن النفسي واستمرار الحياة بشكل صحي وسليم، خاصة في ظل التطور التكنولوجي الذي جعل العمل ممتدًا عبر الهواتف وتطبيقات التواصل حتى بعد انتهاء ساعات الدوام الرسمية.

وأشار إلى أن وجود مجموعات عمل على تطبيقات التواصل الاجتماعي ساهم بشكل كبير في زيادة الضغط النفسي على العاملين، حيث أصبح الموظف أو الطبيب أو أي شخص مهني متصلًا ببيئة العمل طوال الوقت، وهو ما يمنع الدماغ من الحصول على فترات راحة حقيقية ويؤثر سلبًا على جودة الحياة.

وأكد أن الإنسان بحاجة إلى تخصيص وقت حقيقي لنفسه بعيدًا عن أي التزامات مهنية، مشددًا على أن “استخصار الوقت في نفسك غلط كبير”، لأن تجاهل الراحة النفسية والجسدية يؤدي في النهاية إلى انخفاض الإنتاجية وزيادة التوتر وفقدان الشغف.

وأضاف أن النوم الجيد يعد أحد أهم الأعمدة الأساسية للصحة النفسية، إلى جانب التغذية السليمة وممارسة الأنشطة الترفيهية، والابتعاد عن الصراعات اليومية التي تستنزف الطاقة، مشيرًا إلى أهمية تجديد نمط الحياة بشكل مستمر لكسر الروتين اليومي الذي يزيد من الشعور بالضغط.

كما دعا إلى ضرورة الابتعاد عن الأشخاص السلبيين الذين وصفهم بـ"حرامية الطاقة"، وكذلك الأشخاص الذين يكثرون من الشكوى والبكاء دون محاولة إيجاد حلول، مؤكدًا أن البيئة المحيطة تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل الحالة النفسية للإنسان.

وأشار إلى أن ممارسة الهوايات تمثل وسيلة فعالة جدًا لتفريغ الضغوط النفسية، موضحًا أن أي نشاط محبب للفرد يمكن أن يكون متنفسًا صحيًا يساعد على إعادة التوازن النفسي، سواء كان رياضة أو موسيقى أو قراءة أو أي نشاط إبداعي آخر.

واستشهد بتجربة أحد أساتذة الطب النفسي الذي تعلم العزف على آلة الأورج بعد التقاعد، مؤكدًا أن هذه التجربة تعكس أهمية الهوايات في إعادة إحياء الطاقة النفسية والتخفيف من الضغوط المتراكمة، قائلًا: “الهوايات بتعمل تنفيس عالي جدًا عن الضغوط”.

وفي ختام حديثه، شدد استشاري الصحة النفسية على أن الاهتمام بالصحة النفسية لم يعد خيارًا، بل ضرورة أساسية للحفاظ على جودة الحياة والاستقرار الأسري والمهني، مؤكدًا أن الإنسان إذا لم يعتنِ بنفسه فلن يستطيع تقديم أي شيء للآخرين، داعيًا الجميع إلى تبني أسلوب حياة أكثر هدوءًا وتوازنًا، يقوم على الراحة النفسية وإدارة الضغوط بشكل صحي ومدروس.

تم نسخ الرابط