في كثير من القضايا ذات الحضور العام المدوّي، تنفتح فجوة عميقة بين طرفين: الحكم القضائي بوصفه حقيقة قضائية نهائية، والحكم الجماهيري بوصفه حكما رمزيا متغيرا. هذا التوتر ليس مجرد خلاف في الرأي، بل هو صِدام بين بنيتين مَعرفيتين مختلفتين تماما في طريقة إنتاج الحقيقة؛ فبينما يقوم الحكم القضائي على التمحيص والإثبات، يقوم الحكم الجماهيري على السرعة، والانفعال.
وهنا تكمن الإشكالية: كيف يمكن لبنية تقوم على الإثبات والتدقيق أن تواجه بنية أخرى تقوم على الانتشار السريع، والتأويل الحر، والتكاثر الرمزي؟
لفهم دور القضاء هنا، يجب ألا نراه مجرد مؤسسة للفصل في الخصومات، بل باعتباره أداة تحمي الحقيقة من التشويه الذي قد يصنعه الرأي العام. فهو يعيد الوقائع إلى إطارها القانوني، ويبحث عن الحقيقة وفق قواعد الإثبات والإجراءات القضائية المنضبطة.
فحين تصل أي واقعة مثيرة للجدل إلى أروقة المحاكم، تكون غالبا قد مرَّت عبر مستويات متعددة من اللغط الإعلامي والتداول الاجتماعي. واكتسبت معاني إضافية، وانفتحت على تأويلات متباينة، وامتزجت بطبقات من الشائعة والانفعال والحكم المسبق.
هنا تأتي الوظيفة التمحيصية للقضاء؛ إذ لا يتعامل مع الواقعة الملتهبة، بل يعمل على تجريدها مما أحاط بها من شائعات وأحكام مسبقة، وإعادة بنائها داخل إطار محدد من الأدلة وقواعد الإثبات.
من هنا تنشأ مفارقة لافتة؛ فكلما ازدادت سرعة تداول الروايات في المجال العام، ازدادت حاجة القضاء إلى التثبت والتدقيق. فالقضاء لا يلاحق سرعة الحدث، بل يعيده إلى مسار الفحص والمراجعة، ويواجه الأحكام المتعجلة بضمانات الإجراءات القانونية.
وهذا ما يفسر أهمية استقلال القضاء عن التأثيرات والضغوط التي تنشأ في المجال العام. هذا الاستقلال لا يعني انفصال القضاء عن المجتمع أو تجاهل همومه، وإنما يعني عدم الخضوع للصور والانطباعات المتداولة التي قد تحجب حقيقة الواقعة. فالقاضي لا يبني حكمه على ما يشيع بين الناس أو تروجه وسائل الإعلام، بل على الأدلة والوقائع الثابتة في ملف الدعوى وفق معايير قانونية موضوعية.
بهذا المنهج، يؤدي القضاء وظيفة معرفية عليا تتجاوز مجرد الفصل في النزاع؛ فهو يعيد فصل الطبقات المتداخلة عن بعضها، ويضع الحدود الفاصلة بين ما هو "دليل" وما هو "انطباع"، وبين ما هو "واقعة" وما هو "تفسير اجتماعي" لها. إنه يعيد تنظيم المجال الإدراكي للواقعة داخل المجتمع، ويضع حدا للفوضى التأويلية التي تنتجها عمليات التداول الرمزي.
صحيح أن هذا الدور يظل محدودا بطبيعة البنية التي يعمل القضاء داخلها؛ فهو لا يستطيع منع تشكل المعنى أو الشائعة داخل المجال العام قبل وصول القضية إليه، ولا يستطيع منع استمرار الضجيج بعد صدور الحكم. لكنه يستطيع، وبحسم، أن يعيد تعريف هذه الواقعة "قانونيا"، مقدّما مرجعية مضادة لا تقبل التأويل.
خلاصة القول إن الحقيقة تُكتشف ولا تُصنع، و "الهُراء الثقافي"
لا ينشأ فجأة، بل يتكون تدريجيا عبر مسار: من شائعة تتداول ثم تتكرر ثم تنتشر، حتى تتحول في النهاية إلى ما يشبه "الحقيقة المتداولة"، رغم افتقارها إلى أساس معرفي راسخ.
هذا المسار لا يقتصر على زمن معين أو قضية بعينها، بل يمثل آلية متكررة في تَشكُل الرأي العام عبر التاريخ.
وفي مواجهة هذا الطوفان، يظل القضاء هو الحصن الأخير. ليس لأنه يمتلك الحقيقة المطلقة دائما، بل لأنه يمتلك "المنهجية الوحيدة المضمونة" للوصول إليها. إنه البوصلة التي تعيد الأمور إلى نصابها، لتثبت للأمة في نهاية المطاف قاعدة راسخة: الحقيقة لا تُصنع بالتداول، بل تُكتشف بالإثبات.
