ads
عاجل
الثلاثاء 28 يوليو 2026
رئيس التحرير
محمد الطوخي

السعودية ترسخ ريادتها العالمية في سوق الكربون الطوعي

خلف الحدث

تواصل المملكة العربية السعودية تعزيز مكانتها كأحد أبرز اللاعبين العالميين في ملف العمل المناخي، من خلال تطوير سوق الكربون الطوعي الذي تحول من مجرد أداة بيئية لخفض الانبعاثات إلى ركيزة اقتصادية واستثمارية تدعم التنمية المستدامة، وتسهم في بناء اقتصاد منخفض الكربون، وذلك في إطار مستهدفات رؤية السعودية 2030 ومبادرتي السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر.

ويمثل إطلاق شركة سوق الكربون الطوعي الإقليمية خطوة استراتيجية تعكس التزام المملكة بقيادة التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة، من خلال إنشاء منصة متقدمة لتداول أرصدة الكربون وفق أعلى معايير الحوكمة والشفافية، بما يعزز موقعها كمركز عالمي لأسواق الكربون عالية النزاهة.

ويأتي هذا التوجه ضمن جهود المملكة لتحقيق الحياد الصفري بحلول عام 2060 عبر تطبيق نهج الاقتصاد الدائري للكربون، الذي يعد أحد أهم النماذج العالمية في إدارة الانبعاثات وتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة.

ويُعرف سوق الكربون الطوعي بأنه سوق منظم يتيح للجهات الحكومية والشركات شراء وتداول أرصدة كربونية معتمدة ناتجة عن مشروعات بيئية تسهم في خفض أو إزالة الانبعاثات الكربونية من الغلاف الجوي، بما يسمح للمؤسسات بتعويض الانبعاثات التي يصعب تقليلها مباشرة، إلى جانب دعم الاستثمارات في المشروعات البيئية المستدامة.

وأكد الرئيس التنفيذي لشركة سوق الكربون الطوعي الإقليمية فادي سعادة أن تأسيس الشركة جاء انطلاقًا من رؤية تهدف إلى تحويل العمل المناخي إلى فرصة اقتصادية واستثمارية، عبر إنشاء سوق إقليمية متطورة تعمل وفق أفضل الممارسات العالمية في الحوكمة والشفافية.

وأوضح أن الشركة تأسست في أكتوبر 2022 بمبادرة مشتركة من صندوق الاستثمارات العامة الذي يمتلك 80% من رأس المال، ومجموعة تداول السعودية التي تمتلك 20%، بهدف تطوير منصة متكاملة لتداول أرصدة الكربون الطوعية، ودعم جهود المملكة والمنطقة في خفض الانبعاثات وتسريع التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة.

وأشار إلى أن الشركة تقدم مجموعة متكاملة من الخدمات تشمل منصة مؤسسية حديثة لإدارة وتداول أرصدة الكربون، إضافة إلى خدمات الدعم الفني والاستشارات البيئية، بما يساعد الشركات على إدارة انبعاثاتها بكفاءة، ويعزز مكانة المملكة كمركز عالمي لتداول أرصدة الكربون.

وحققت الشركة منذ انطلاقها سلسلة من الإنجازات المهمة، حيث نظمت أكبر ثلاثة مزادات للكربون في المنطقة، بدأها المزاد الأول في الرياض خلال أكتوبر 2022، والذي شهد بيع أكثر من 1.4 مليون طن من أرصدة الكربون، تلاه المزاد الثاني في العاصمة الكينية نيروبي خلال يونيو 2023 ببيع أكثر من 2.2 مليون طن، ثم المزاد الثالث الذي أقيم على هامش مؤتمر المناخ COP29 في العاصمة الأذربيجانية باكو خلال نوفمبر 2024، وشهد بيع أكثر من 2.5 مليون طن بمشاركة أكثر من 40 شركة محلية وعالمية.

وأكد سعادة أن إجمالي قيمة التداولات تجاوز 350 مليون ريال سعودي، فيما تخطى إجمالي أرصدة الكربون المباعة منذ تأسيس الشركة 15 مليون طن، وهو ما يعكس النمو المتسارع لسوق الكربون الطوعي، والثقة المتزايدة في دوره كأداة اقتصادية لدعم العمل المناخي وتحقيق التنمية المستدامة.

وشهد نوفمبر 2024 إطلاق أكبر منصة إقليمية لتداول أرصدة الكربون، والتي تم تصميمها وفق أفضل المعايير العالمية من حيث الشفافية والسيولة وقابلية التوسع، مع توافقها مع السجلات الدولية، ودعمها لآليات التمويل الإسلامي، وإتاحة وسائل متعددة للتداول تشمل المزادات وطلبات عروض الأسعار والتداول خارج المنصة.

كما عززت الشركة حضورها المؤسسي عبر توقيع مذكرة تفاهم مع اللجنة الوطنية لآلية التنمية النظيفة، بهدف تبادل البيانات الخاصة بشهادات الائتمان الكربوني، وربط البنية الرقمية للطرفين، بما يرفع مستوى الشفافية، ويطور قاعدة البيانات الوطنية المتعلقة بأسواق الكربون في المملكة.

وفي الجانب البيئي، أوضحت الباحثة بجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية يارا ياسر البرلسي أن سوق الكربون الطوعي يمثل محركًا رئيسيًا للاستدامة، إذ يشجع على الاستثمار في مشروعات إعادة تأهيل الأراضي، وإدارة النفايات، والطاقة المتجددة، واحتجاز الكربون، وزراعة أشجار المانغروف، وغيرها من المبادرات التي تسهم في خفض الانبعاثات وتحسين البيئة.

وأضافت أن هذه المشروعات تدعم بشكل مباشر مستهدفات رؤية السعودية 2030 والاقتصاد الدائري للكربون، وتسهم في تحويل التحديات البيئية إلى فرص استثمارية، بما يدعم الوصول إلى الحياد الصفري بحلول عام 2060.

ومن الناحية الاقتصادية، أكد الخبير الاقتصادي أحمد الشهري أن سوق الكربون الطوعي أصبح أحد المسارات الجديدة لتنويع الاقتصاد الوطني، عبر تحفيز الاستثمارات في مشروعات إزالة وخفض الانبعاثات، ودعم نمو القطاعات المرتبطة بالاستدامة والاقتصاد الأخضر.

وأشار إلى أن السوق يسهم في جذب الاستثمارات العالمية في مجالات الطاقة المتجددة، والتقنيات منخفضة الانبعاثات، وتقنيات احتجاز الكربون، إضافة إلى تنمية قطاعات التحقق البيئي والاستشارات المناخية، وخلق فرص عمل نوعية في الاقتصاد الأخضر.

كما يلعب السوق دورًا محوريًا في دعم مشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، ورفع كفاءة استخدام الطاقة، وخفض الانبعاثات الصناعية، بما يعزز تنافسية الاقتصاد السعودي، ويرفع جاذبية المملكة للاستثمارات البيئية العالمية.

وعلى المستوى الدولي، تشير التقديرات إلى أن سوق الكربون العالمي مرشح للنمو من نحو ملياري دولار في عام 2020 إلى ما يقارب 250 مليار دولار بحلول عام 2050، وهو ما يفتح آفاقًا واسعة أمام المملكة للاستفادة من هذا القطاع الواعد، خاصة مع امتلاكها منظومة متكاملة مدعومة حكوميًا تعتمد أعلى معايير الشفافية والحوكمة.

ولا تقتصر آثار سوق الكربون الطوعي على الجوانب الاقتصادية والبيئية فقط، بل تمتد إلى دعم التنمية المجتمعية، من خلال تمويل مشروعات التشجير، وإعادة تأهيل النظم البيئية، وتطوير الكفاءات الوطنية في مجالات قياس الانبعاثات والتحقق منها، بما يسهم في تحسين جودة الحياة وترسيخ مبادئ التنمية المستدامة.

وتواصل المملكة العمل على توسيع حضورها العالمي في هذا المجال عبر تعزيز التكامل مع السجلات والأسواق الدولية، وتوقيع المزيد من الشراكات العالمية التي تسهم في ربط الأسواق، وتمويل مشروعات خفض وإزالة الانبعاثات، بما يعزز دورها القيادي في رسم مستقبل أسواق الكربون عالميًا.

وتؤكد التجربة السعودية في سوق الكربون الطوعي أن المملكة لم تعد تكتفي بالمشاركة في الجهود الدولية لمواجهة تغير المناخ، بل أصبحت شريكًا رئيسيًا في تطوير الأدوات الاقتصادية والتمويلية للعمل المناخي، عبر نموذج يجمع بين الاستدامة البيئية، والتنمية الاقتصادية، والاستثمار الأخضر، بما يعزز مكانتها كقوة عالمية تقود مستقبل الاقتصاد منخفض الكربون.

تم نسخ الرابط