ads
الجمعة 05 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

في كل قضية تثير الرأي العام، يندفع الناس عادةً إلى البحث عن بطل وضحية وجانٍ، وكأن الواقع لا يحتمل سوى هذه القوالب الجاهزة. لكن الحقيقة أن بعض الوقائع تكشف عن انحدار أخلاقي متعدد الأطراف، بحيث يصبح من الخطأ اختزالها في صورة طرف مذنب وآخر بريء على إطلاقه.

فإذا ثبت أن مسؤولًا استغل موقعه الوظيفي أو سلطته لتحقيق أغراض شخصية، فإن ذلك يمثل سقوطًا أخلاقيًا ومهنيًا يستوجب الإدانة والمحاسبة الصارمة. فصاحب المنصب العام مؤتمن على مسؤولياته، وأي انحراف عن مقتضيات وظيفته يعد خيانة للثقة التي أولاها له المجتمع.

لكن في المقابل، فإن محاربة الفساد لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لاستخدام وسائل فاسدة. فإذا كان الوصول إلى كشف الخطأ قد تم عبر الاستدراج المتعمد أو الإيقاع المسبق أو صناعة ظروف تهدف إلى دفع الطرف الآخر نحو السقوط، فإن ذلك يطرح تساؤلات أخلاقية لا يمكن تجاهلها.

أخلاقيات كشف الفساد في المؤسسات الحكومية

إن جوهر المشكلة هنا لا يتعلق بالدفاع عن المخطئ أو تبرير فعله، بل بالتأكيد على مبدأ أساسي: أن نزاهة الغاية لا تمنح حصانة للوسيلة. فالمجتمعات التي تقاوم الفساد مطالبة بأن تفعل ذلك من خلال القانون والشفافية والإجراءات المشروعة، لا من خلال أساليب تثير الجدل الأخلاقي وتفتح الباب أمام ممارسات قد تتحول مع الوقت إلى نهج مقبول.

فالعدالة ليست انتقامًا، وليست سباقًا للإيقاع بالآخرين، وإنما هي منظومة تقوم على كشف الحقيقة ومحاسبة المخطئ وفق القانون. ومن ثم، فإن أي طرف يثبت تجاوزه للقانون أو للأخلاق يجب أن يخضع للمساءلة وفق ما تثبته الأدلة والتحقيقات، دون إفراط في التبرئة أو اندفاع نحو الإدانة.

إن الدرس الأهم في مثل هذه الوقائع هو أن المجتمع لا ينتصر للأخلاق عندما يستبدل خطأً بخطأ، ولا عندما يبرر وسيلة مشبوهة بحجة الوصول إلى هدف مشروع. فشرف الغاية لا يبرر قذارة الوسيلة، كما أن فساد الوسيلة لا يعفي صاحب الخطأ الأصلي من مسؤوليته.

وبين هذا وذاك، تبقى الحقيقة والعدالة هما الحكم الوحيد، بعيدًا عن الانفعال والأحكام المسبقة .

(عن واقعة مدير التعليم الإعدادي بمحافظة القليوبية … أتحدث)

تم نسخ الرابط