رسالة دكتوراه حول رقابة محكمة النقض على اقتناع القاضي الجنائي.. ودراسة مقارنة تكشف حدود التدخل في عقيدة قاضي الموضوع
في إضافة علمية جديدة للمكتبة القانونية المصرية والعربية، شهدت إحدى كليات الحقوق مناقشة رسالة الدكتوراه المقدمة من الباحث أحمد مصطفى أمين، رئيس محكمة جنح العمرانية، بعنوان «رقابة محكمة النقض على اقتناع القاضي الجنائي.. دراسة جنائية مقارنة»، والتي تناولت واحدة من أكثر الإشكاليات القانونية إثارة للجدل والمتعلقة بحدود رقابة محكمة النقض على عقيدة قاضي الموضوع الجنائي.
وحصل الباحث على درجة الدكتوراه في الحقوق بتقدير «جيد جدًا»، بعد مناقشة علمية موسعة أمام لجنة ضمت نخبة من أساتذة القانون والقضاء، هم الأستاذ الدكتور محمد مصباح القاضي أستاذ القانون الجنائي وعميد كلية الحقوق السابق بجامعة العاصمة، والمستشار الدكتور محمد أحمد الجنزوري رئيس محكمة جنايات الجيزة، والأستاذ الدكتور أحمد عبد اللاه المراغي أستاذ القانون الجنائي ووكيل كلية الحقوق بجامعة العاصمة.
إشكالية الدراسة.. هل تراقب محكمة النقض عقيدة القاضي؟
تناولت الدراسة قضية قانونية شديدة الأهمية تتمثل في تحديد مدى تعرض محكمة النقض لعقيدة قاضي الموضوع، رغم استقرار الفقه والقضاء على أن محكمة النقض هي محكمة قانون وليست محكمة موضوع، وأن دورها يقتصر على مراقبة تطبيق القانون دون إعادة تقدير الوقائع أو الأدلة.
وركز الباحث على بحث رقابة محكمة النقض من زاويتين أساسيتين هما الفساد في الاستدلال والقصور في التسبيب، باعتبارهما من أبرز أسباب الطعن بالنقض التي قد تؤدي عمليًا إلى فحص الأساس الفكري والمنطقي الذي بنى عليه قاضي الموضوع اقتناعه بالحكم.
دراسة مقارنة بين مصر وفرنسا والجزائر والكويت

واعتمدت الرسالة على المنهج التحليلي المقارن، من خلال دراسة التشريعات المصرية والفرنسية والجزائرية والكويتية، بهدف استخلاص نتائج علمية وعملية تسهم في تطوير التشريع وإبراز أوجه الاتفاق والاختلاف بين الأنظمة القانونية المختلفة.
وقُسمت الدراسة إلى بابين رئيسيين، تناول الأول رقابة محكمة النقض المصرية على عقيدة القاضي الجنائي وحدود هذه الرقابة، فيما خصص الباب الثاني لتطبيقات الرقابة على عقيدة القاضي الجنائي في القانون المقارن من خلال دراسة رقابة محكمة النقض الفرنسية والمحكمة العليا الجزائرية ومحكمة التمييز الكويتية.
نتائج الدراسة.. الرقابة موجودة ولكن بصورة غير مباشرة
وخلص الباحث إلى أن محكمة النقض المصرية، رغم تأكيدها الدائم أنها محكمة قانون وليست محكمة موضوع، تمارس نوعًا من الرقابة على عقيدة قاضي الموضوع بصورة غير مباشرة من خلال فحص سلامة التسبيب وصحة الاستدلال بالحكم الجنائي.
وأكدت الدراسة أن الأسباب التي يبني عليها القاضي حكمه تعكس ما استقر في وجدانه من اقتناع، ومن ثم فإن تدخل محكمة النقض لإبطال حكم بسبب فساد الاستدلال أو القصور في التسبيب يمثل في جوهره رقابة على الكيفية التي تكونت بها تلك العقيدة.
كما أوضحت أن الحكم الجنائي يجب أن يشتمل على بيان كامل للواقعة وأركان الجريمة والأدلة التي استند إليها القاضي، وإلا أصبح عرضة للنقض، بما يكشف أن رقابة محكمة النقض تمتد بصورة غير مباشرة إلى الفكر القضائي الذي قاد إلى إصدار الحكم.
مقارنة الأنظمة القانونية
وأظهرت الدراسة أن النظام الفرنسي يظل الأكثر تحفظًا في التدخل بعقيدة قاضي الموضوع، بينما تتسع الرقابة بصورة أكبر في الجزائر والكويت، خاصة فيما يتعلق بمنطق الاستدلال وسلامة استخلاص النتائج من الأدلة المطروحة. أما النظام المصري فيمارس رقابة ضمنية من خلال أدواته القانونية التقليدية المتمثلة في مراقبة التسبيب والاستدلال.
وأكد الباحث أن جميع الأنظمة محل الدراسة تتفق على ثلاثة مبادئ أساسية، هي حرية القاضي الجنائي في تكوين اقتناعه، وأن محاكم النقض أو التمييز هي محاكم قانون وليست محاكم موضوع، مع وجود رقابة فعلية على سلامة الاستدلال والتسبيب باعتبارهما الضمانة الأساسية لصحة الأحكام الجنائية.
توصيات لتطوير منظومة التقاضي الجنائي
وقدمت الرسالة عدة توصيات مهمة، أبرزها ضرورة التسليم بالدور الرقابي الذي تمارسه محكمة النقض على عقيدة القاضي من خلال سلطتها في نقض الأحكام للفساد في الاستدلال أو القصور في التسبيب، والعناية بتسبيب الأحكام ومنطقها القانوني، إلى جانب إعادة النظر في بعض التعديلات التشريعية المرتبطة بالتقاضي في الجنايات على درجتين، بما يحقق مزيدًا من الاتساق بين درجات التقاضي المختلفة.
واختتم الباحث دراسته بالتأكيد على أن تحقيق العدالة الجنائية لا يرتبط فقط بصحة تطبيق القانون، وإنما كذلك بسلامة المنطق القضائي الذي يقود إلى تكوين الاقتناع بالحكم، باعتبار أن العدالة الحقيقية تقوم على التوازن بين حرية القاضي في تكوين عقيدته وبين الرقابة القانونية التي تكفل سلامة الأحكام وصحة تسبيبها.


