ads
الجمعة 05 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

البكاء المتأخر في الثالثة فجراً: اللحظة الأكثر مأساوية في حياة عادل إمام بعد رحيل "ست الكل"

عادل إمام
عادل إمام

تكتسب سيرة الفنان القدير عادل إمام مساحة شديدة الخصوصية في قلوب الجماهير العربية، وهي مساحة دافئة تبدأ تفاصيلها من داخل البيت البسيط قبل اعتلاء خشبة المسرح، ومن دور الأب والأم قبل بزوغ نجم الشهرة والأضواء، ومن ذاكرة الطفل الذي خرج من أسرة ريفية مناضلة ليصبح واحداً من أكثر الفنانين حضوراً وتأثيراً في الذاكرة الفنية العربية على مدار العقود الماضية.

وحين يتحدث "الزعيم" في لقاءاته عن والديه، تتراجع صورة النجم اللامع قليلاً لتفسح المجال أمام ظهور الابن البار كما هو على طبيعته، ليظهر رجل لا يزال يحمل في أعماقه هيبة الأب الراحل، وحنان الأم الدائم، ونبرة دعائها القديم الذي ظل يرافقه كحارس أمين في رحلته الطويلة والممتدة مع الجمهور الواسع في مختلف أرجاء الوطن العربي.

وتفتح سيرة الأب باباً معرفياً وثقافياً مهماً للغاية في تكوين شخصية عادل إمام الإنسانية والفنية، ففي كتاب "الحرفوش.. أيام عادل إمام" للكاتب الصحفي المتميز أيمن الحكيم، يرد أن عادل إمام يحمل في أوراقه الرسمية اسم "عادل إمام محمد بخاريني"، مبيناً أنه ولد لأسرة ريفية بسيطة في قرية شها الواقعة بالقرب من مدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية.

الجذور الريفية وخفة الدم الموروثة

وكان والده يمتلك طريقة خاصة وجذابة في السخرية وإلقاء النكات، حيث كان يضحك من حوله ببراعة دون أن يفقد جديته وهيبته الوقورة، في إشارة لافتة إلى أن خفة الدم والذكاء الاجتماعي في حياة عادل إمام لم يبدأا على خشبة المسرح، وإنما كانا امتداداً جينياً أصيلاً في العائلة من الجد إلى الأب، ثم إلى الابن الذي جعل الكوميديا مشروعاً فنياً وفكرياً كبيراً.

وتتكرر صورة الأب الصارم والحازم في أكثر من شهادة وتصريح لعادل إمام، ففي حديثه التلفزيوني الشهير مع الإعلامي عمرو الليثي في برنامج "واحد من الناس"، قال عادل إمام إن والده كان قاسياً جداً وصارماً في معايير التربية، وإن التحصيل الدراسي والالتزام بالصلاة كانا من أهم الأمور التي تشغله في توجيه ابنه وتنشئته.

وتفتح هذه العبارة المؤثرة مدخلاً هاماً لفهم جانب خفي من شخصية الفنان الذي عرفه الجمهور خفيف الظل وصاحب نكتة حاضرة، بينما تكشف ذاكرته العائلية عن بيت ريفي يعرف الانضباط التام، وأب يربط التربية بالالتزام السلوكي الأخلاقي، ويرى في نجاح الابن الدراسي وسلوكه الديني عنواناً حقيقياً للنجاة والتميز في المجتمع.

تحول السلطة الأبوية إلى مساحة صداقة

لكن عادل إمام لم يحتفظ في ذاكرته بصورة الأب القاسي وحدها طوال حياته، ففي روايته المؤثرة نفسها، قال إن والده صار صاحبه المقرب وصديقه الصدوق حين كبر في السن، بما يعني أن العلاقة بينهما انتقلت بسلاسة من سلطة الأبوة الجافة إلى مساحة إنسانية أهدأ، تملؤها مشاعر القرب والمصالحة العميقة بين الاثنين.

وهنا تبدو حكاية الأب أكثر إنسانية وعمقاً، فالقسوة والشدة التي رآها الابن في مرحلة الطفولة تحولت بعد سنوات طويلة إلى معنى آخر نبيل، وصار عادل إمام يقرأها بعين النضج باعتبارها خوفاً حقيقياً عليه وحرصاً بالغاً على مستقبله، لا مجرد شدة عابرة أو رغبة في فرض السيطرة والتحكم من الأب.

وفي مقابل صورة الأب الصارم، تظهر الأم بوصفها "ست الكل" والمحرك العاطفي الأساسي في حياة عادل إمام، فقد أكد في لقاء تلفزيوني سابق، أن والدته كانت سيدة أمية لا تقرأ ولا تكتب، لكنها كانت تمتلك رغماً عن ذلك حسّاً ثقافياً وإنسانياً رهيباً، وكانت دائمة البحث والاجتهاد عن سعادة وراحة أسرتها الصغيرة.

سر الدعوة الفطرية وأثر الرحيل الصادم

وكانت الأم دائمة الدعاء لنجلها بعبارة بليغة وفطرية ظلت لصيقة بسيرته ونجاحه وهي "ربنا يحبب فيك خلقه"، وتصلح هذه الجملة لتفسير العلاقة الاستثنائية بين عادل إمام والناس، فهو يرد كل هذا القبول الجماهيري الجارف وجانب من محبة الجمهور العريضة إلى دعوة أم لا تملك تعليماً رسمياً، لكنها تملك يقيناً فطرياً بأن محبة الناس رزق كبير من الله.

ولم يكن حديث الزعيم عن أمه حديثاً عابراً في مناسبة عاطفية مؤقتة، فقد عاد إلى ذكرها بالخير في أكثر من لقاء إعلامي، وجاء على لسانه أن أمه كانت "أحلى حاجة" تزين حياته، وهي صيغة عاطفية تكشف حجم حضورها الطاغي في وعيه، وتوضح أن الأم عنده لم تكن مجرد ذكرى عائلية عابرة، بل كانت مصدراً دائماً للأمان، ومفتاحاً لفهم علاقته بنفسه وبالناس.

وتبلغ صورة الأم ذروتها التراجيدية في حديثه عن رحيلها الصادم، حيث قال عادل إمام إنه شعر بعد وفاتها بأنه فقد أكبر وأغلى حب في حياته، وإنه لم يستطع البكاء مطلقاً إلا بعد مرور شهر كامل على الوفاة، وتحديداً حين كان يقود سيارته بمفرده في تمام الساعة الثالثة فجراً، فتوقف فجأة في منتصف الشارع وانفجر في بكاء مرير من أجلها تعبيراً عن حجم الفقد.

وتصنع حكاية الأب والأم في حياة عادل إمام ثنائية متوازنة، فالأب يمثل الهيبة والانضباط والجذر الريفي الأصيل، والأم تمثل الحنان والدعاء المستجاب والحضور الصامت الذي يحرس الابن، ومن هذه الثنائية خرج عادل إمام كما عرفه الناس، فناناً قادراً على السخرية، لكنه مشدود بقوة إلى قيمة الأسرة، وقادراً على الضحك، لكنه كلما ذكر أمه انكسر صوته الشجي أمام معنى الحب الأول.

تم نسخ الرابط