أول ميثاق شرعي وأخلاقي عالمي لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الفتوى
إطلاق "وثيقة القاهرة" في الجلسة الختامية لمؤتمر الإفتاء العاشر
في ختام فعاليات المؤتمر العالمي العاشر للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، المنعقد بالقاهرة تحت شعار "صناعة المفتي الرشيد في عصر الذكاء الاصطناعي"، أعلنت الأمانة العامة إطلاق «وثيقة القاهرة حول الذكاء الاصطناعي والإفتاء»، ليكون هذا الميثاق أول إطار شرعي وأخلاقي عالمي يحدد ضوابط استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في المجال الإفتائي، ويعمل على ترشيد مسيرة الفتوى عالميًّا بما يحفظ قدسية المرجعية الشرعية ويدعم التطور الرقمي.
وأعلن عن الوثيقة الدكتور محمود عبد الرحمن، عضو المكتب الفني لمفتي الجمهورية، مؤكدًا أن الوثيقة تمثل ثمرة دراسات مستفيضة ونقاشات موسعة شارك فيها كبار العلماء والخبراء في التقنية والفتوى، وتهدف إلى تقديم مرجعية شاملة على الصعيد العالمي لضبط آليات إصدار الفتاوى الرقمية وضمان سلامتها. وأضاف د. عبد الرحمن أن الوثيقة تمثل خطوة تاريخية مهمة في مجال الفتوى، وهي مستمدة من قلب القاهرة، حيث الأزهر الشريف، الذي ظل عبر القرون حصن الوسطية وملتقى العلماء، لتكون انطلاقة عالمية نحو وضع ضوابط دقيقة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الفتوى.
وأوضح د. محمود أن الوثيقة تسعى إلى ترسيخ منهجية اجتهادية معاصرة تُمكّن المفتي من استخدام الأدوات الرقمية الحديثة في البحث، وجمع النصوص الشرعية، وتصنيف الفتاوى، وتحليلها، مع التأكيد على أن القرار النهائي يظل دائمًا في يد المفتي البشري المؤهل، لضمان حماية المجتمع من ظاهرة الفتاوى العشوائية والمضللة التي قد تنتشر عبر منصات التواصل الرقمي. كما أشارت الوثيقة إلى أهمية تعزيز التعاون الدولي وتبادل الخبرات بين دور الإفتاء في جميع أنحاء العالم، بما يتيح بناء قنوات تواصل ومنصات معرفية مشتركة لتوظيف الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول.
واشتملت الوثيقة على مجموعة من المبادئ العامة التي ترسي أسس استخدام الذكاء الاصطناعي في الفتوى، من بينها:
مبدأ عدم الإضرار المستمد من القاعدة الفقهية "لا ضرر ولا ضرار".
مبدأ العدالة والإنصاف وعدم التمييز بين الأفراد والمجتمعات.
مبدأ الشفافية الذي يفرض وضوح آلية عمل الأنظمة الذكية في إصدار الفتاوى.
مبدأ المسؤولية والمساءلة الذي يشدد على وجود رقابة بشرية مستمرة وعدم التذرع بخطأ آلي.
مبدأ حماية الخصوصية للمستفتين وبياناتهم الشخصية.
مبدأ الرقابة البشرية لضمان بقاء القرار النهائي في يد المفتي البشري.
مبدأ الاستدامة الذي يراعي الأبعاد البيئية والثقافية والاجتماعية.
مبدأ التعاون الدولي وبناء القدرات بين دور الإفتاء حول العالم لتعزيز الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة.
وأكد د. محمود عبد الرحمن أن الوثيقة تؤكد عدم تعارض استخدام الذكاء الاصطناعي مع المنهجية الاجتهادية الأصيلة، مع السماح بالاستعانة بهذه التقنيات في مراحل معينة من الفتوى، مثل جمع النصوص وتصنيفها، والتحليل المقارن، ومعالجة اللغة، واستشراف الواقع، شرط أن تصدر الفتوى النهائية عن مفتي مؤهل، مع منع الاعتماد الكلي على الأنظمة التوليدية لإصدار الأحكام الشرعية دون مراجعة بشرية دقيقة.
كما تناولت الوثيقة مخاطر الفتاوى الزائفة والمعلومات المضللة الناتجة عن سوء استخدام الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك التزييف العميق للشخصيات الدينية، واستغلال الجماعات المتطرفة لهذه الأدوات في نشر أفكار متشددة، داعية إلى إنشاء فرق رصد إلكتروني داخل دور الإفتاء والتنسيق مع الإعلام ومنصات التقنية لمكافحة هذه الظواهر، وتوعية الجمهور بخطورة الاعتماد على أنظمة غير معتمدة في إصدار الفتاوى.
واختتم د. محمود كلمته بالتأكيد على أن الوثيقة تمثل اجتهاد الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم لتقديم ميثاق تاريخي ينطلق من قلب القاهرة، حيث الأزهر الشريف، محضن الوسطية وملتقى العلماء عبر القرون، ليكون مرجعًا عالميًا يسهم في صناعة المفتي الرشيد في عصر الذكاء الاصطناعي؛ المفتي الذي يجمع بين عمق الفقه الشرعي واستيعاب أدوات العصر الرقمية، ليواكب التحديات المعاصرة مقتديًا بسلفه الصالح في حكمتهم وبصيرتهم، مستعينًا بعون الله ثم بمعطيات العلم الحديث.
وتأتي هذه الوثيقة كخطوة نوعية لتوحيد الجهود العالمية في مجال الإفتاء الرقمي، وضمان أن يظل الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة مسؤولة، تعزز العمل الشرعي وتطور الفتوى، دون المساس بالمرجعية الدينية أو القيم الأخلاقية الراسخة، في سبيل بناء مستقبل معرفي إفتائي آمن ومستنير على مستوى العالم.