لماذا نصوم يوم عاشوراء؟ أسرار اليوم العاشر من شهر محرم الحرام
يستعد جموع المسلمين في كافة أنحاء العالم لاستقبال يوم عاشوراء، الذي يوافق اليوم العاشر من شهر محرم الحرام لعام 1448 هـ، وهو يوم عظيم له في ذاكرة الأمة الإسلامية مكانة خاصة نظراً لما يحمله من دلالات دينية وتاريخية مرتبطة بنجاة نبي الله موسى عليه السلام وقومه من بطش فرعون، حيث جعل الله هذا اليوم علامة فارقة في نصرة الحق.
لقد أكدت النصوص الشرعية الصحيحة على استحباب صيام هذا اليوم، فقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة ورأى اليهود يصومون يوم عاشوراء، بين أن المسلمين هم الأحق بموسى عليه السلام، فأمر بصيامه وأرشد الأمة إلى فضل هذا اليوم الذي يكفر ذنوب سنة كاملة.

سنة تاسوعاء: الحكمة من صيام التاسع مع العاشر من محرم
لم يكتفِ النبي صلى الله عليه وسلم بصيام اليوم العاشر فحسب، بل عقد العزم في آخر حياته على صيام اليوم التاسع، وهو ما يعرف بـ "تاسوعاء"، وذلك رغبة منه في مخالفة أهل الكتاب الذين يكتفون بصيام العاشر فقط، مما يرسخ استقلالية التشريع الإسلامي في العبادات والسمت الظاهر للمسلمين عن باقي الأمم.
يرى العلماء أن تقديم صيام تاسوعاء على عاشوراء يحمل حِكَمًا بالغة، منها تحقيق مبدأ المخالفة، ووصل يوم عاشوراء بصوم لتعظيم أثره، بالإضافة إلى الاحتياط الشرعي الذي يجنب المسلم الوقوع في خطأ في حساب هلال شهر محرم، مما يضمن بإذن الله تعالى إدراك فضل صيام يوم عاشوراء الحقيقي.
التوسعة على الأهل في عاشوراء: سنن مهجورة وبركات مرجوة
تتعدد مظاهر الاحتفاء بيوم عاشوراء في التراث الإسلامي، ومن أبرزها "التوسعة على الأهل"، حيث ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته»، وهو حديث تناقله العلماء بالقبول والعمل، وشهد الكثير منهم ببركة هذه التجربة في سعة الرزق طوال العام.
يأتي هذا الإجراء الاجتماعي ليعزز من روح المودة والرحمة داخل الأسرة المسلمة في يوم من أيام الله، حيث يُشجع المسلم على إدخال السرور على أهله وعياله من خلال طعام طيب أو عطاء حسن، وهو ما يعكس الجانب الإيجابي والبناء في ثقافة الاحتفال بالسنن النبوية التي تهدف إلى تقوية الروابط الاجتماعية والروحية.
البدع المذمومة: التنبيه من التصرفات الدخيلة على يوم عاشوراء
على النقيض من السنن الشرعية والمستحبات، حذر العلماء من بعض المظاهر المبتدعة التي لا أصل لها في الكتاب ولا في السنة، والتي يمارسها البعض في يوم عاشوراء بحجة الحزن على استشهاد الإمام الحسين رضي الله عنه، كضرب الجسد وإسالة الدماء أو اللطم والنياحة، وهي أفعال ترفضها الشريعة الإسلامية جملة وتفصيلاً.
يجب على المسلم الواعي أن يفرق بين ما هو عبادة مقربة إلى الله وبين ما هو بدعة مذمومة لا تزيد العبد إلا إثماً وبعداً، فالدين الإسلامي دين يقوم على الاعتدال والاتباع لا الابتداع، لذا فإن الاكتفاء بصيام عاشوراء وتاسوعاء، مع الإكثار من الذكر والدعاء، هو الطريق الأقوم لنيل الأجر والثواب في هذا اليوم المبارك.
يظل يوم عاشوراء فرصة ذهبية للمؤمن لتكفير سيئات عام كامل، مما يجعله محطة سنوية لمراجعة النفس وتجديد العهد مع الله تعالى، فبجانب الصيام، يمكن للمسلم أن يستثمر ساعات هذا اليوم في قراءة القرآن، والصدقة، وصلة الرحم، والبعد عن كل ما يغضب الله من قول أو فعل، ليكون بحق يوماً صالحاً يجمع فيه المسلم بين شكر الله على نعمه وبين طلب مغفرته.
إن التزام هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع أيام الله هو المقياس الحقيقي لصدق الإيمان، فبينما يتقرب المسلم إلى الله بالصيام امتثالاً للأمر النبوي، فإنه ينأى بنفسه عن كل ما يعكر صفو العبادة أو يخرجها عن إطارها الشرعي، ليبقى يوم عاشوراء رمزاً للنصر والتمكين والطاعة الخالصة لوجه الله الكريم.