لا يمكن الوقوف في وجه الجريمة، هذه حقيقة قد يصعب الاعتراف بها؛ فبعضهم يحمل جينات قابيل قاتل أخيه، فتفاقم الجريمة وتنوع أساليبها وأسبابها صارت خارج حدود المنطق مما يفرض تساؤلات عديدة تستوجب الحل الجذري، ومن ضمن تلك التساؤلات: هل ارتفعت نسبة الجريمة بالفعل؟ أم صارت وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة غبية ترصد كل ما هو شاذ من أجل حصد الكثير من المشاركات؟! وهل تغيرت شكل الجريمة وصارت أكثر عنفًا وسادية وقسوة، أم إنها مجرد حالات فردية قادرة على اجتذاب الجمهور؟!
لإعطاء بعض الإجابات، علينا أن نعود بالزمن إلى الوراء قليلا، حينما ارتفعت راية تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، حيث جاء إعلان "داعش" عن نفسه عام 2014 وترسيخ نفسه كدولة ذات دستور لها قانون يحكمها وتصدر البطاقات التي تحمل الهوية وتصك العملات واعلام يخدم عليها من صحيفة و قنوات تستهدف الشباب؛ كل ذلك هو بمثابة ترسيخ لعقيدة جديدة قائمة على نشر الإرهاب بالمجتمعات العربية، عقيدة تتبنى فقه القتل ونحر الأعناق، حيث يقوم بذلك أشبال التنظيم الذين تدربوا على العنف، ومن هنا اعتادت تلك المجتمعات مشاهد غير اعتيادية سواء بالذبح الجماعي أو التعذيب حتى الموت بالحرق أو انتهاك المرأة بكل الطرق.
نضف على ذلك؛ مظاهر الموت والابادة الجماعية التي طالت الكثير من الدول العربية والتي تصاعدت وتيرتها مع ثورات مخطط الشرق الأوسط الجديد، حيث راقبنا مكبلين الأوضاع المأسوية في الكثير من الدول العربية المنكوبة وخاصة ما صار في السنوات الأخيرة بفلسطين من تنكيل بالشعب الصامد الصابر المتمسك بأرضه، نعم شاهدنا وبكينا أطفال مقطعي الأوصار، وأشلاء وجثث ودماء تغطي كل بقعة على الأرض المغتصبة.. والنتيجة افتقد الموت هيبته، وصار رؤية الدم اعتياديًا.
مع انتشار الإرهاب، وتقهقر بعض المجتمعات العربية أخلاقيًا واقتصاديًا، وزيادة نسبة الجهل مقابل انتشار العولمة والغزو الثقافي الخارجي سواء بتشويه متعمد للدين ونشر الفتاوى الساذجة والتافهة وتلميع الدعاة والشيوخ أصحاب القدرة على إثارة الجدل، أو نشر النقيض تحت مسمى الدعوة للتحرر، وأصبحت هناك اقتحام مقصور لمفردات جديدة بهدف الهيمنة على القيم والمبادئ ونزع عنها رداء الصواب وتعريتها؛ فعلى سبيل المثال نجد أن المساكنة هو مسمة جديد لتخفيف وطأة "الزنا"، وتأجير الأرحام هو تطور ليس فيه شبهة تحريم كما يروج الكثير من الخبثاء!!! وفي ضوء غياب خطاب إعلامي سليم، ورسالات الفن الهادف، وتغييب الوعي الجمعي من خلال قضايا تافهة واللهث وراء صناعة المحتوى أو "الترند"، حيث تزعم تلك الوسائط أصحاب الأجندات الهدامة، والجهلة، والطابور الخامس، لتفتيت قيم المجتمعات العربية المترابطة.
من هنا تغير قالب الإنسان العربي كلية، فقد أصبح سهل الاستقطاب وعرضة للاستسلام للعنف والتنازل عن آدميته مقابل التنفيس عن عجزه وشهوته بما في ذلك شهوة الجنس والانتقام والقتل، يفعل ذلك وهو مطمئن الضمير بلا نازع أخلاقي أو ديني أو خوف من القانون والعقاب، وعندما تغيرت شخصية المواطن العربي، تغيرت معه نوع الجريمة، حيث صارت الداعشية والتطرف منهج يعتنقه المرضى والمجرمون، حيث تطورت مفردات الجريمة لديهم بحيث لم يعد القتل رد فعل له دافع ما، ولكن صار القتل هو وسيلة للتمتع والتلذذ، وصار المجرم يتدبر كيف يبدع في كتابة كلمة النهاية لغيره أو حتى لحياته، متشربًا روح الداعشية وثقافة الآخر بدون وعي منه، متأثرًا بعوامل مختلفة، ومثال على ذلك؛ تلك الجريمة السادية والتي وقعت في مطلع عام 2026 لأب بمحافظة قنا احتجز ابنته بقفص في بيته، حيث قام بربطها بالسلاسل وحفر لها حفرة لقضاء حاجتها وعمل على تجويعها لمدة تقارب 13 شهرًا حتى ماتت المسكينة، في سلوك متطرف لا يبتعد كثيرًا عن الداعشية، لتكتب تلك الجريمة فصلًا جديدًا شاذًا من صور العنف الأسري لا يقل سادية عما ارتكبه رجال وشباب تنظيم الدولة من جرائم.
إن الترياق موجود وهو قادر على الشفاء بنسبة ربما ليست بالكبيرة، نظرًا لصعوبة التنفيذ حيث تحتاج لاتحاد جميع مؤسسات الدولة، بداية من الحاجة الملحة لنشر ثقافة الجمال بدلا من القبح المستشري حولنا واستئصال الأفكار الهدامة، وتقديم نماذج مجتمعية ذات عقول متفتحة كانتخاب رجل دين يمتلك خطابًا مثاليًا و موزونًا وقادر على مناقشة المجتمع بطرق تحبب المواطن في الاستماع لنصائحه وتوجيهاته بحيث يصبح هذا الخطاب مرغوبًا وليس منفرًا، كما يجب تجديد المنصات الإعلامية بوجوه جديدة قادرة على بناء قنوات تواصل مع المشاهد لعلاج العنف من أجل تقديم الدعم النفسي السليم، واستخلاص أفكار علماء الاجتماع والمثقفين، وتحميل الجهات المسئولة بالدولة مهمة انتاج الأفلام والاعلانات التوعوية والتي تحمل الرسائل العلاجية والقيم المجتمعية، فدور القوة الناعمة هام جدا ولا يجب أن نفصل عنه دور المؤسسات الرياضية من حيث تبنى الطفل والشاب الذي تعرض للعنف كي تستأصل بذور ذلك المرض وتعويضهم بأهداف صحية ينفث فيها الشاب عما واجهه.
يصاحب ذلك دور المؤسسة الصحية وإعلاء قيمة الطب النفسي، وكذلك الدعم الاقتصادي والقانوني الذي يستوجب على الدولة تقديمه لمن ضاقت بهم الحياة، بحيث لا يفقد المواطن الرغبة في العيش، ويشرع في قتل نفسه أو أولاده مثلما رصدنا من حالات انتحار متكررة ولعل أشهرها ما حدث أيضًا في بدايات عام 2026 بمحافظة الإسكندرية؛ وواقعة "سيدة كرموز" حيث طلبت الأم من ابنها أن يقوم بقتلها وقتل أشقائه الخمسة وكذلك واقعة انتحار "البلوجر" بسنت سليمان نتيجة خلافتها مع طليقها، مما يستوجب الوقوف على مماطلات محكمة الأسرة ودور الدعم النفسي والقانوني والتشريعي ، حتى نصل بتلك النهاية التي وضعتها كلا السيدتين إلى دور المؤسسة العقابية والتي ناشدناها مرارًا بوجوب تدخل المشرع لتغليظ القوانين والعقوبات تماشيًا مع التغيرات الخطيرة في شكل ونوع الجريمة ومبررات مرتكبوها ولتحجيم فئة المتعاطفين مع المجرم.
إن إصلاح المجتمعات ليس سهلًا، ولكنه يحتاج إلى مجهودات جبارة تستحق البدء من أجل أوطان تعيش حياة خالية من المرضى، للحد من انتشار المرض ومكافحة العدوى حتى نحافظ على نعمة الأمن والسلام الداخلي.
