يا براءة للمتهم.. يا حبس للمحامي! حكاية “الغلباوي”.. المهنة المنقرضة التي أرعبت قضاة مصر
قبل عام 1868م، لم تكن في مصر كليات حقوق، ولا محامون بالروب الأسود، ولا مكاتب فخمة للدفاع عن المتهمين.
وقتها، إذا تورّط شخص في قضية أو مظلمة، لم يكن أمامه سوى حل واحد: التوجه إلى رجل يجلس داخل كشك خشبي أمام المحكمة… اسمه “الغلباوي”.
من هو الغلباوي؟
الغلباوي هو الجد الشرعي للمحامي الحديث، لكن بمواصفات استثنائية، غالبًا ما كان رجلًا أزهريًا، حافظًا للشرع والعُرف، يتمتع بلسان لا يهدأ، وقدرة خارقة على الجدال والمشاكسة لساعات طويلة دون كلل.
لم يكن يعتمد على القوانين أو المراجع، بل كان سلاحه الحقيقي هو “طول النفس”، يقف أمام القاضي يلف ويدور بالكلام، يزيّن العبارات، ويجادل في أدق التفاصيل، حتى اشتهر المثل الشعبي في ذلك الوقت:
«لو على البراءة ناوي.. روح للغلباوي!»
براءة للمتهم… وحبس للمحامي!
من كثرة الإلحاح والزن، كان بعض القضاة يصلون إلى مرحلة الإنهاك العصبي، فيصدر الحكم الشهير الذي تكرر كثيرًا:
«حكمت المحكمة ببراءة المتهم… وحبس الغلباوي 24 ساعة تأديبًا له!»
فيخرج المتهم حرًا، ويدخل محاميه السجن مكانه!
المفارقة العجيبة أن الناس لم تكن تثق في الغلباوي الهادئ الذي يقدم أدلة وبراهين، بل كانوا يفضلون الغلباوي “الرغاي” كثير الكلام، معتبرين أن كثرة الجدل تعني أنه بذل مجهودًا و”حلل قرشه”.
تسويق قبل زمن السوشيال ميديا
ومع اشتداد المنافسة، لجأ الغلباوية لأساليب دعائية مبتكرة، فكان بعضهم يكتب على لافتة أعلى كشكه:
«الدفع بعد البراءة والفرج»
شعار تسويقي سابق لعصره، يضمن جذب الزبائن وبث الطمأنينة في قلوب المتهمين.
نهاية المهنة… وبقاء الكلمة
انقرضت مهنة الغلباوي بعد إنشاء كلية الحقوق وظهور المحاماة بشكلها الحديث، لكن الكلمة بقيت حيّة في قاموسنا المصري، تُطلق على كل من يجادل بلا توقف، ويقلب الحق باطلًا بلسانه.
وربما تعرف في حياتك شخصًا يصلح أن يكون “غلباوي” بامتياز…
لو قابلته، قُل له بابتسامة: مكانك كان في المحكمة!