من هو علي سالم البيض؟.. خفايا وأسرار في حياته (النشأة والجذور)
توفي السبت، علي سالم البيض، رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية الأسبق، ليطوي برحيله صفحة من أكثر صفحات التاريخ اليمني والجنوبي تعقيداً وإثارة للجدل.
رحل البيض تاركاً وراءه إرثاً سياسياً ثقيلاً، لُقب فيه بـ "مهندس الوحدة" تارة، وبـ "قائد الانفصال" تارة أخرى، ليظل اسمه مرتبطاً بالتحولات الدراماتيكية التي رسمت خارطة اليمن المعاصر منذ الاستقلال وحتى اللحظة الراهنة.
النشأة والجذور: من حضرموت إلى القاهرة
ولد علي سالم البيض في 10 فبراير 1939 بقرية "معبر" في محافظة حضرموت، حيث تشكل وعيه القومي الأول. بدأ مسيرته التعليمية في مدينة غيل باوزير، وانتقل إلى عدن عام 1956، لتبدأ هناك شرارة نشاطه الطلابي برئاسة اتحاد الطلبة الحضارم. وفي عام 1963، غادر إلى القاهرة لدراسة الهندسة، وهناك نضج سياسياً وعسكرياً بانخراطه في اتحاد الطلبة اليمنيين وتلقيه دورات عسكرية في سلاح المهندسين والصاعقة، ما وضعه على طريق الكفاح المسلح.
قيادة الكفاح المسلح وبناء الدولة
مع اندلاع الثورة ضد الاحتلال البريطاني، برز البيض كقائد عسكري ميداني فذ في حضرموت وعدن، وتولى مسؤوليات جسيمة في "الجبهة القومية".
وعقب الاستقلال في عام 1967، أصبح أول وزير دفاع لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وتدرج في المناصب السيادية ليصبح وزيراً للخارجية، ثم محافظاً لحضرموت، ووزيراً للتخطيط، وصولاً إلى قمة الهرم السياسي كأمين عام للحزب الاشتراكي اليمني عام 1986 عقب أحداث يناير الدامية.
الوحدة اليمنية ومنعطف "فك الارتباط"
دخل البيض التاريخ في 22 مايو 1990، حين وقع مع الرئيس الشمالي علي عبدالله صالح اتفاقية الوحدة اليمنية، ليصبح نائباً لرئيس مجلس الرئاسة في الدولة الموحدة. إلا أن الحلم لم يدم طويلاً، حيث عصفت الخلافات بالشريكين، وأعلن البيض في عام 1994 "فك الارتباط" وقيام جمهورية اليمن الديمقراطية من جديد. لكن الحرب التي شنها صالح تحت مسمى "الوحدة القسرية" أجبرت البيض على مغادرة اليمن والعيش في المنفى، ليتحول لاحقاً إلى الأب الروحي للحراك الجنوبي المطالب باستعادة الدولة.
علي سالم البيض.. حكاية الفرص الضائعة والرمزية الباقية
يمثل رحيل علي سالم البيض في عام 2026 نهاية حقبة سياسية اتسمت بالآمال العريضة والخيبات العميقة. لم يكن البيض مجرد سياسي عابر، بل كان تجسيداً لآمال شعب الجنوب في التحرر والبناء، ثم في الوحدة والاندماج، وأخيراً في تقرير المصير.
إن شجاعته في اتخاذ القرارات المصيرية، سواء بالذهاب نحو الوحدة الاندماجية دون ضمانات كافية، أو بإعلان فك الارتباط في أحلك الظروف، جعلت منه شخصية استثنائية تُدرس في سياق "الفرص الضائعة" في تاريخ اليمن الحديث.
لقد عاش البيض سنواته الأخيرة وهو يرى الجنوب الذي دافع عنه يعود من جديد كلاعب أساسي على الطاولة السياسية، متمسكاً برؤيته التي دفع ثمنها عقوداً من النفي والابتعاد عن السلطة. إن الإرث الذي تركه البيض يتجاوز المناصب والوزارات؛ فهو الرمز الذي استطاع تحويل القضية الجنوبية من مظلمة حقوقية إلى مشروع سياسي متكامل.
برحيله، يفتقد الجنوبيون قائداً تاريخياً اتسم بالثبات على المبدأ في سنواته الأخيرة، ويفتقد اليمن أحد أعمدة تاريخه المعاصر الذي جمع بين الرومانسية الثورية والواقعية السياسية المؤلمة.
ستظل سيرة علي سالم البيض حية في ذاكرة الأجيال، كشاهد على دولة ولدت من رحم الثورة، وتوحدت بالحلم، ثم انقسمت على واقع السلاح، ليبقى اسمه منقوشاً في ذاكرة حضرموت وعدن كقائد لم ينحنِ للعواصف رغم قسوتها.