في رحلة كل إنسان يحاول أن يترك أثرًا أو يضيء شمعة، هناك دائمًا أصوات تأتي من الظل، لا لتقدم نورًا، بل لتطفئ نور الآخرين.
وهذه سنة الحياة، وقدر كل من يجرؤ على تقديم شيء مختلف. منذ أن خرج كتابي "استراتيجية البراءة" إلى النور، وهو العمل الذي سكبت فيه عصارة سنوات من الجهد والسهر في ساحات القضاء، وصلتني أصداء كثيرة، بعضها كان دافئًا ومُلهِمًا، وبعضها الآخر كان للأسف سِهامًا مسمومة أُطلقت من قوس الحقد الشخصي، لا من جعبة النقد العلمي.
لم أكتب يومًا لأحصي عدد المادحين، ولا أحزن اليوم لضجيج الحاقدين.
لكن ما يحز في نفسي حقًا، ويجعلني أسطر هذه الكلمات، هو أن أرى عملًا بُذل فيه من الجهد ما الله به عليم، يُهاجَم ويُشوَّه دون أن يكلف المهاجم نفسه عناء قراءة صفحة واحدة منه.
كنت أتمنى، وما زلت، أن يتقدم أحدهم بنقد موضوعي، أن يقرأ المحتوى ويقول: "أنت أخطأت في هذا التحليل القانوني"، أو "كان يمكن لهذه الاستراتيجية أن تكون أفضل لو..." حينها، كنت سأقف له احترامًا، وأقدر رأيه، وأشكره على مساهمته في إثراء الحوار العلمي، فما نحن إلا بشر نخطئ ونصيب، وما العلم إلا رحم بين أهله.
لكن الهجوم الذي يأتي من كراهية شخصية، والذي يستهدف الشخص لا الفكرة، هو إفلاس فكري وأخلاقي.
فما هو الأساس الذي قام عليه هذا الكتاب؟
وُلد هذا الكتاب من رحم معاناة حقيقية أعرفها جيدًا، معاناة المحامي الشاب في خطواته الأولى.
معاناة التخرج من كلية الحقوق حاملاً كنوزًا من النصوص النظرية، ليجد نفسه وحيدًا أمام واقع عملي معقد لا يشبه ما درسه، يبحث عمن يأخذ بيده، عمن يعلمه "الصنعة" وأسرارها التي لا تُكتب في المناهج. كثيرون منهم يفتقرون إلى المرشد أو الأستاذ الذي يفتح لهم أبواب مكتبه وقلبه.
من أجل هؤلاء، كان هذا الكتاب.
لم أرده أن يكون مجرد مؤلف يُضاف إلى الأرفف، بل أردته أن يكون بمثابة جلسة تدريبية ممتدة؛ كأنني أجلس مع كل محامٍ شاب وجهًا لوجه، آخذه في رحلة عبر كل قضية من الصفر.
نبدأ معًا من قراءة وقائع الاتهام الأولية، ثم نغوص في كواليس التفكير الاستراتيجي، ونرسم خطة الدفاع خطوة بخطوة، ونفكك حجج الخصم حجة تلو الأخرى.
والأهم من ذلك، أردت أن تكون هذه التجربة عملية وحقيقية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
لذلك، لم أكتفِ بالشرح، بل فتحت له "ملف القضية" كاملاً ليرى بعينيه المذكرة التي كُتبت، والحكم الذي نُطق به.
ليرى كيف تتحول الفكرة إلى حجة قانونية، وكيف يتردد صدى دفاعك في قناعة القاضي.
هذه هي الفرصة التي كنت أتمنى أن أجدها في بداية طريقي، وهي ما أقدمها اليوم لكل من يبدأ رحلته.
لقد كان الجهد المبذول في هذا العمل أعمق من مجرد الكتابة.
كان جهدًا في الاختيار الدقيق لعشر قضايا شائكة ومعقدة، كل واحدة منها تمثل درسًا قائمًا بذاته.
وكان جهدًا في التشريح والتحليل، وفي كشف "غرفة العمليات" التي لا يراها أحد، حيث تُبنى خطط الدفاع وتُصاغ الحجج.
هذا هو قلب الكتاب وجوهره؛ إنه ليس كتابي أنا، بل هو كتاب كل محامٍ شاب يبحث عن بوصلة تختصر عليه الطريق.
في النهاية، سيبقى هذا العمل شاهدًا على تجربة إنسانية ومهنية، قُدمت بصدق وأمانة.
أما تلك الأصوات الحاقدة، فسيذهب ضجيجها مع الريح، ويبقى الأثر الطيب والعلم النافع.
وأظل أمد يدي لكل نقد علمي بناء، وأُشيح بوجهي عن كل حقد شخصي هدام، مؤمنًا بأن المحاماة، في جوهرها، رسالة، وواجب، وشرف.
