يُعد مدفع الإفطار من أهم التقاليد المرتبطة بشهر رمضان في مصر، وينتظره الصائمون كل يوم، ليعلن لهم موعد الإفطار في مشهد يجمع بين الأصالة والحنين، وعلى الرغم من ارتباط هذا التقليد بالذاكرة المصرية، فإن قصته تحمل أكثر من رواية تاريخية، تُظهر كيف تحول هذا المدفع إلى جزء لا يتجزأ من طقوس الشهر الكريم.
الرواية الأولى: مدفع الإفطار في عهد السلطان خوشقدم
في كتاب "أصل الكلام" للدكتور حسام شاكر، تبرز الرواية الأولى عن مدفع الإفطار في مصر، حيث تعود بدايته إلى عهد السلطان المملوكي "خوشقدم"، الذي تولى حكم مصر عام 1461م.

القصة بدأت بالصدفة عندما كان الجنود يختبرون مدفعًا جديدًا أُهدي للسلطان، وأُطلقت قذيفة المدفع دون قصد وقت غروب الشمس في أول أيام رمضان، اعتقد الناس أن هذا كان إعلانًا رسميًا من السلطان للإفطار، فتوجهوا إلى القلعة لشكره، وعندما علم السلطان بما حدث، قرر جعل إطلاق المدفع تقليدًا يوميًا طيلة الشهر الفضيل، ليصبح المدفع جزءًا من الروح الرمضانية في مصر.
الرواية الثانية: محمد علي باشا وتطوير الجيش المصري
هناك رواية أخرى تُنسب بداية تقليد مدفع الإفطار إلى عهد محمد علي باشا، مؤسس الأسرة العلوية في مصر، وفقًا لهذه الرواية، أثناء اختبار الجيش لأحد المدافع المستوردة من ألمانيا، أُطلقت قذيفة المدفع بالصدفة وقت أذان المغرب، استبشر الناس بالمدفع واعتبروه إشارة رسمية للإفطار، فطلبوا من الباشا الاستمرار في إطلاق المدفع يوميًا طوال شهر رمضان.

الرواية الثالثة: مدفع الحاجة فاطمة في عهد الخديوي إسماعيل
في رواية ثالثة تعود إلى عهد الخديوي إسماعيل، يُحكى أن المدفع أُطلق وقت الإفطار، وعندما توقف في اليوم التالي، شعر الأهالي بالحزن والارتباك، لجأوا إلى ابنة الخديوي، الأميرة فاطمة، وطلبوا منها التوسط لدى والدها لإعادة المدفع، استجاب الخديوي لطلبها، وأصبح المدفع يُعرف باسم "مدفع الحاجة فاطمة"، تكريمًا للأميرة التي ساهمت في استمراره.
الرواية المؤكدة: مدفع السلطان خوشقدم والحاجة فاطمة
الدكتور علي الطايش، أستاذ الآثار والفنون الإسلامية بجامعة القاهرة، يؤكد أن الرواية الأكثر صحة تعود إلى عهد السلطان خوشقدم عام 859 هـ (1455م)، أثناء تجربة المدفع الجديد في القلعة، سُمع صوته وقت الغروب، واعتقد المصريون أن هذا المدفع يُطلق للإعلان عن الإفطار، عندما توقف إطلاقه، ذهبوا إلى زوجة السلطان، الحاجة فاطمة، لطلب إعادة إطلاقه، وهو ما حدث بالفعل، وأصبح المدفع يُعرف باسم "مدفع الحاجة فاطمة".

مدفع الإفطار.. من القلعة إلى المقطم
ظل مدفع الإفطار يُطلق من قلعة القاهرة لفترة طويلة، حتى نُقل إلى جبل المقطم بسبب التطور العمراني والزحام، ومن هناك، نُقل لاحقًا إلى ساحة مدينة البعوث الإسلامية بحي الدراسة في القاهرة حاليًا، يُستخدم تسجيل صوتي لمدفع الإفطار يُذاع عبر الإذاعة والتلفزيون، بهدف الحفاظ على المباني التاريخية من التأثيرات السلبية للاهتزازات الناجمة عن المدفع.
انتشار تقليد مدفع الإفطار في الدول العربية
لم تقتصر شهرة مدفع الإفطار على مصر وحدها، بل انتقل هذا التقليد إلى العديد من الدول العربية، في المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والكويت، ولبنان، وسوريا، أصبح المدفع جزءًا من الطقوس الرمضانية، يُطلق من المواقع التاريخية والمعالم البارزة، ليجمع بين الأجواء الروحانية والرمزية التراثية.
المدفع بين الماضي والحاضر
لا يزال مدفع الإفطار رمزًا من رموز رمضان في مصر والعالم العربي. على الرغم من تطور الوسائل الحديثة للإعلان عن موعد الإفطار، يظل صوت المدفع مُحببًا إلى قلوب الناس، يذكرهم بعبق الماضي وجمال البساطة.