اجتماع حاسم للبنك المركزي المصري.. هل تتجه أسعار الفائدة نحو التثبيت الخميس المقبل؟
يترقب المجتمع الاقتصادي والمالي في مصر باهتمام بالغ اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري المقرر عقده يوم الخميس المقبل، وذلك في ظل مشهد اقتصادي محلي ودولي يشهد تحولات دقيقة، بعد أن شهدت الفترة الأخيرة هدوءاً في التوترات الجيوسياسية وتحسناً ملموساً في سعر صرف الجنيه المصري بنسبة تجاوزت 6% عقب اتفاق السلام الأمريكي الإيراني.
يعد هذا الاجتماع هو الرابع من نوعه خلال عام 2026، ويأتي في توقيت حساس بعد تعليق دورة التيسير النقدي في اجتماعي أبريل ومايو الماضيين، في حين يتذكر الجميع الخطوة الاستباقية التي اتخذها البنك بتخفيض الفائدة بنسبة 1% في فبراير الماضي، مما يضع صناع القرار أمام مسؤولية الموازنة بين دعم النمو الاقتصادي والسيطرة على الضغوط التضخمية.

التضخم المصري: تباطؤ طفيف وتحديات مستمرة
تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى تباطؤ معدل التضخم في مصر خلال شهر مايو الماضي ليصل إلى 14.6%، مقارنة بـ 14.9% في أبريل و15.25% في مارس، وهو مؤشر قد يعطي بصيصاً من الأمل حول قدرة السوق على استيعاب الصدمات، رغم أن التحديات ما زالت حاضرة وبقوة في المشهد العام.
ومع ذلك، تظل التوقعات تميل إلى إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير في هذا الاجتماع، لتفادي أي تداعيات سلبية محتملة ناتجة عن صدمات أسعار الطاقة العالمية، واضطراب سلاسل التوريد، بالإضافة إلى ضرورة التعامل مع التعديلات المحلية في أسعار الوقود، والغاز المورد للمصانع، وفاتورة الكهرباء للقطاع التجاري، وتعريفة خدمات الاتصالات والإنترنت.
رؤية المؤسسات الدولية: استقرار أم خفض مؤجل؟
يرجح معهد التمويل الدولي (IIF) أن يتجه البنك المركزي المصري إلى تثبيت أسعار الفائدة خلال الفترة المتبقية من عام 2026، مدعوماً بوجود معدلات فائدة حقيقية إيجابية في السوق، مما يمنح صانع القرار في البنك المركزي مساحة أكبر لاتخاذ قرارات تتسم بالهدوء والاستقرار دون الحاجة لتغييرات حادة قد تربك الأسواق في الوقت الراهن.
في المقابل، يرى بنك "إتش إس بي سي" أن البنك المركزي قد يبقي الفائدة ثابتة في الفترة الحالية، على أن يبدأ في تنفيذ تخفيض تدريجي يبدأ من الربع الأول من العام المقبل بنسبة 2%، تليها تخفيضات إضافية بنسبة 3% في الربع الثاني من نفس العام، مع توقعات بأن يسجل التضخم تباطؤاً مستمراً وصولاً إلى مستويات 8.8% بحلول الربع الثاني من عام 2027.
توقعات النمو والأسعار: بين تقديرات البنك المركزي والمؤسسات العالمية
تتباين التقديرات بشأن مستويات التضخم المستقبلية، حيث يتوقع البنك المركزي المصري أن يسجل متوسط المعدل للعام الجاري ما بين 16% و17%، وهي أرقام تفوق التوقعات السابقة المقدرة بـ 11%، مما يعكس توقعات البنك بوجود ضغوط سعرية مستمرة تتطلب التعامل معها بحذر شديد خلال الأشهر القادمة.
أما وكالة ستاندرد آند بورز، فتضع خارطة طريق مختلفة تتوقع من خلالها أن تبدأ دورة التيسير النقدي في عام 2027 بنسبة إجمالية تبلغ 3%، مع استكمال دورة التيسير خلال عام 2028، بينما تذهب مؤسسة فيتش سوليوشنز إلى توقعات مشابهة تشير إلى خفض تراكمي بنسبة 4% وصولاً إلى عام 2027.
بينما يأتي التوقع الأكثر طموحاً من بنك جولدمان ساكس، الذي يرى أن البنك المركزي المصري سيبدأ تخفيض أسعار الفائدة في الربع الأول من العام المقبل بإجمالي تخفيضات يصل إلى 6%، وهو ما يعكس ثقة المؤسسة في تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي وقدرة السياسة النقدية على توجيه السوق نحو مستويات فائدة أقل لدعم الاستثمار.
يظل القرار النهائي في يد لجنة السياسة النقدية التي تمتلك وحدها القدرة على تحليل البيانات اللحظية للاقتصاد المصري، والموازنة بين توفير بيئة جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي عبر الفائدة، وبين حماية القدرة الشرائية للمواطنين والسيطرة على وتيرة التضخم التي تعد الأولوية القصوى في أجندة العمل القادمة للبنك.
نحن أمام مرحلة انتقالية تتطلب دقة متناهية في السياسة النقدية، حيث لا يمكن التضحية بالاستقرار المالي لمجرد تحفيز النمو، وفي الوقت ذاته لا يمكن تشديد السياسة النقدية بشكل يضر بالنشاط الاقتصادي، لذا فإن اجتماع الخميس المقبل سيكون بمثابة رسالة واضحة للأسواق حول المسار الذي ستتبعه مصر في التعامل مع التحديات الاقتصادية العالمية والمحلية خلال الفترة المقبلة.